h's profileالزعترPhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    11/17/2009

    Comedy of arab

    إثنــان لصفر

    الملهـاة العـربية

     

     

    لم يكن لينين هو الأول ولم يكن الأخير الذي آمن بان بأن النخبة الراديكالية المثقفة –الحزب- هي من يجب أن تقود الجماهير الغوغائية لتحقيق مصيرها.

     

    كان ذلك هو ديدن السلطة، وقرار نخب دائما، الدولة ذات النظام البطركي الأبوي الوصي الذي يقود "الجهلة" ويضبطهم لما فيه المصلحة العليا –للنخبة أولا وبالتالي للدولة.

     

    وعت الدول والنخب والطبقات الحاكمة على مر الزمن للحاجة لما يضبط الجماهير، بعيدا عن قوة الضغط العنفية عليها، التي آجلا أم عاجلا كانت ستنقلب عليها، ما لم تكن مضبوطة ضمن مقادير من الشد، بأساليب فنية تخدر الجمهور، وتقوده بطريقة ممنهجة.

     

    ابتكرت روما الإمبراطورية فكرة حلبات المصارعة بعد أن طورت حلبات القتال الإغريقية القديمة، من ملاكمة بالأيادي العارية بين الرجال في الأسواق والساحات العامة، إلى ملاعب ضخمة تنحشر فيها الجماهير الغوغائية المتعطشة لتفجير غرائز الكبت لديها بمشاهدات عنيفة تارة وجنسية تارة أخرى، بعيدا عن مؤسسة الحكم ، فتفنن سياسيوها وتجارها في أنواع المصارعات بين البشر والحيوانات بين العبيد والأحرار، بمختلف الأسلحة وأحيانا، بين جيوش صغيرة لا تنتهي فيها اللعبة إلا بموت أحد الطرفين او قرار مفاجئ من الإمبراطور ليؤجج فيه المزيد من المشاعر المختلقة، لتستمر هي تطبيق سياساتها، وإخفاء هزائمها على الجبهات،وتبرير ممارسات نخبة الحكم على حساب الشعب، وإذا كان هذا على الشعب الروماني فإن تقنية حلبات المصارعة تقف شاهدة في كل بقعة احتلتها روما من العالم القديم حتى الآن

     

     

     

    وأن كان الأمر بدرجات أقل فقد اختلفت أساليب النخب في إلهاء الشعوب ومنهجة مشاعرهم وتوجيه غرائزهم، كل وفق ما بلائمه من أساليب التسلية، صراع الديوك في ممالك اسيا، مصارعة الثيران، قتال الوحوش في اوروبا القديمة، نوادي البغاء، ودوواين الشعر، ولاحقا المسارح والملاهي والتلفزيون وأنواع الرياضات الجماهيرية في كل أرجاء العالم ..

     

     

     

    أفيون

     

    قال كارل ماركس أن "الدين أفيون الشعوب إذا ما استغل في غير مصلحة الطبقة الكادحة" ربما لم يأت الرجل بجديد، ليس بالنسبة للدين وحسب، بل لكل ما له علاقة بالحياة اليومية للناس، هذا الأفيون الذي باتت خميرته تدخل في معظم الصناعات التي نراها اليوم، وكل أساليب التسلية والإلهاء التي مررنا على ذكرها أعلاه.

     

    كم كان مثيرا للاهتمام أن تكتشف مدى اندهاش العالم لحجم الخدر الذي أصاب ما لا يقل عن نصف الأمة العربية بعد تعاطيها لجرعات مفرطة من هذا الأفيون قبيل مباراة الأمس القريب بين مصر والجزائر في كرة القدم.

     

     

     

    هذا الأفيون الذي لم ينج منه حتى أشد نخبها تنديدا بهذا الكسل الروحي والفراغ النفسي ليتم حشوه بمثل هذا الشحن السلبي البعيد عن أي قيمة إنسانية أو حضارية، ليدخلنا جميعا في بوتقة الحيوانات الغرائزية، لا نختلف كثيرا عن القطط المتناحرة على أسوار الأزقة ليلا، او الكلاب على حاويات القمامة

     

     

     

    لقد بدا واضحا لمن لم يملك نظرية مسبقة عن هذا الوضع الذي يعيشه الإنسان العربي المقهور، أن مفاجئات قد طفت على السطح، أثارت من الاندهاش أكثر مما يفعل الفضول نحو النتيجة النهائية للمباراة.

     

    فمنذ الحرب على غزة لم تتفق وسائل المعرفة العربية على خبر بقدر ما فعلت المباراة الملحمية بين البلدين الشقيقين، أغان تم وضعها على عجل، كشفت عن شعراء وملحنين سريعي البديهة، مقاطع فيديو نافست في موهبتها أكثر المشاهد إثارة للإعجاب على الانترنت، أفكار وسيناريوهات تصورها المحللون الرياضيون وغير الرياضيين عن ظروف المباراة، أشك لو أن عسكريا عربيا عاش ظروفها بجدية لأمكن له تحرير هذه الأمة من نير الاستعمار في ظرف سنوات قليلة.. قراءات نفسية ، تحاليل مناخية، ومعرفة تاريخية وجغرافية، وتجييش وطني وشعبي لم يعشه أي من البلدين كما تسعفني الذاكرة منذ حرب تشرين أو دوي النشيد الجزائري في الجزائر العاصمة لأول مرة بعد التحرير.. تسارعت لتدخل في طبخة الأفيون على قدر ستاد القاهرة الدولي..

     

     

     

    لا صوت يعلو صوت المعركة

     

    انتهت المعركة ولم تنتهي الحرب بهدفين مقابل لا شيء..

     

    البقية تأتي غدا، وبعد غد..

     

    لكن هدقين قد سجلا، هدفين كسني حربتين، أو كرأسي إبرتين جديدتين تضمن هدوءا جديدا في اثنين من أهم الدول العربية المركزية

     

    هدفان رقص لهما قبل أي من الجمهورين نخب رسمت خطتها لاستغلال الفرص ببراعة، باتقان أقل ما يقال عنه انه يثير الإعجاب، في تحويل العدو من كل مسمياته.. الاحتلال، الجوع، الفساد، القهر اليومي، الأمية، التسلط، الكبت، السعار النفسي، القلق، المستقبل المعتم..

     

    العدو واضح، هو خصم يركل الكرة، لا خصم يركل العقول نحو الملهى الجديد لأمة الملهاة الكبرى..

     

     

     

    6/11/2009

    دمى على مسرح الظلال

    دمى على مسرح الظلال

    في منطق الانحلال الثقافي القومي

     master chief sings by Ayton.

     

     

    محمد لافي "الجبريني"

     

    من علامات نبوغ الامم وتطورها، كان دائما بروز وتوسع طبقة نخبوية ثقافية ترعاها الدولة، لتعبر عنها وتحافظ قدر الامكان على وجهة ثقافية قومية بين افراد الشعب، ذات قوة فنية اغرائية للشعوب الاخرى، القابلة للتأثر والانبهار، والتي تتمكن الدول الكبرى من استقطابها بقوة الجاذبية، مثل تلك التي يتحكم فيها نجم اكبر بالكواكب الاصغر، كما تدور الكواكب حول فلك الشمس، تستمد منها الحرارة والنور، وربما الاستقرار التبعي.

    وكما تجذب أنوار الشمس شغف الحياة في الارض، ويفعل نور المصباح للفراشات، تستغل الدول العظمى ما وصلت اليه من تطور تقني وثقافي وسلوك اجتماعي مترف تحاول قدر الامكان التاكيد عليه، تتمكن من جذب إعجاب الشعوب الأخرى التي افتقدت لكينونتها الذاتية –كنتيجة لضعفها- وبدت تنظر بعين التقدير لتلك الدول العظمى على امل ان تنهل ولو قليلا مما تملكه

    هذا الإعجاب الذي يصل حد الوله مولدا الاحتقار الذاتي، والرغبة الأنانية والطفيلية للحصول على شهادة الانتماء ممن يراه أرقى منه

    ومن طبيعة الطبقات النخبوية الانغلاق على ذاتها، ومحاولة حبس طبقيتها بذاتها، لتحافظ على تفردها، فتبني عليه أسباب تفوقها واستعلائها على مواطنيها.

    ولما كانت –تلك النخبة المنسوجة من تحالف المصالح والأيديولوجيا- بحاجة لمن يقوم بالأعمال الدونية، فإنها تجد بالفئة الطفيلية من المجتمعات الأخرى –أو لنسميها "المستعمرات الثقافية"- ضرورة للمحافظة على تماسك مجتمعها الذي هو بدوره بحاجة لامتلاك تلك النظرة الاستعلائية والشعور بالتفوق، مقابل رعاعيته مقابل الطبقات الأعلى في مجتمعه الاصلي، وهو عمليا ما مارسته كل الحضارات المتفوقة عبر الدهور

     الإغريق الذين تفرغوا للفلسفة وعلوم الفلك، خصوا  أبناء المستعمرات بالفنون البهلوانية، والبنائية التي كان يعزف عنها الاغريقي العادي

    الرومان مؤسسي اكبر إمبراطورية قبل العصر الحديث لم يسمحوا لأتباعهم في باقي المستعمرات بأكثر من فنون المصارعة الوحشية لإلهاء شعوبهم عن أمور السياسة والفساد وتوسع الهوة بين الطبقات

     الدولة الإسلامية العربية وجدت في الموالي من ترك وفرس وحبش وروم، وسيلة ترفيه ينضحون منه الراقصات والقيان والمغنيين ولا عجب أن أهم مغني ذلك العصر كانوا من عناصر غير عربية وان نبغ منهم آخرون في العلوم والفلسفة، فيما منعوا من المشاركة في الجيوش الإسلامية الا مع تولي العباسيين الحكم وهو ما كان بداية سيطرة الموالي على أركان الدولة بعد قرن من الزمان..

     في وقتنا الحالي ، لم تختلف كثيرا تلك الألعاب التي تمارسها النخبة، الطبقة الأعلى الحاكمة في النظام العالمي الجديد ذو السلطة الواحدة المتخفية تحت أكثر من عنوان

     

    رقصة اليانكيز

    فبعد أن وصلت الحضارة إلى أقصى مدا تصله إمبراطورية مسيطرة عبر التاريخ، وبذلك اتسعت الرقعة الكولنيالية التابعة، إلى الحد الذي أدى بحضارات -ولأول مرة عبر السطوة الثقافية غير الدينية- إلى أن تذوي وتذوب بشكل شبه كامل في ثقافة المستعمر الثقافي، وهي حضارة المستعمر الانجلوسكسوني بطبيعة الحال، ففقد الأفارقة الذين جروا عبيدا إلى القارتين الأوروبية والأمريكية هويتهم الثقافية الأم، ليبرز لنا نوع من الثقافة الهجينة الدونية، تلك التي وصفها الكاتب الأمريكي "هيربيرت أسبوري" بالثقافة المتولدة من المنبوذين والضائعين من حول العالم بحثا عن ارض الميعاد الأمريكية، فتخالطوا في عالمهم السفلي الذي حبستهم فيه النخبة المؤسسة فيه، بعد أن جردتهم من كل قيمهم الإنسانية والثقافية لينتجوا لنا نوعا جديدا من البشر يشبه ما نراه في الرقص الشعبي الأمريكي الذي اختلط فيه الزنجي بالاسباني بالعربي لتصبح لدى أمريكا ما تشاء من ثقافات منحطة وراقية وفق ماتراه تلك الطبقة من الماسونيين الذين يشعلون الحروب ويطفئوها وقتما شاؤوا..

    واذا كان هذا وصف مثقف أمريكي عام 1920 لبشر جرجروا عنوة إلى ارض الميعاد الإنجيلية، إن على سفن العبيد الإفريقية أو بواخر الجوع الصينية، فما الذي كان يمكن أن يقوله لو رأى أولائك الطفيليين وهم لازالوا على أرضهم!

    هذا ما فعلته بالضبط الرغبات الطفيلية والانسلاخية في الشعوب الأخرى، رقصة الغراب الذي أراد تقليد الحمامة فأنتج هجينا جديدا في عصره لكنه لا يختلف عن الراقصات التركيات في زمن الدولة الأموية

    وهنا نماذج تركت للسانها أن يتحدث عنها في الآونة الأخيرة بتجل واضح عن مدى تلك الانسلاخية والتبعية، وذلك لفهم طبيعة الصراع الثقافي، وقدرات النخبة العالمية على إقناع شعوبها بالتفوق والحق التاريخي حين تستعرض لها نماذج من شعوب اخرى هي في صراع حضاري تاريخي معها

     

    "الاراجوز"

    أول تلك النماذج كان الممثل الأشهر والأعلى أجرا والأكثر نفوذا في تاريخ السينما العربية، ونعني به عادل إمام

    الذي خرج مؤخرا ليردد كلاما سابقا قاله عن فهمه للصراع، حين ندد بالمقاومة العربية وسخر منها ومجد في قوة خصمها ونمط عيشه

    لا مجال لذكر تلك التصريحات فمن السهل على مهتم البحث عنها في الانترنت او في الصحافة، لكن ما يهمنا هنا محاولة التدليل على الدور الذهني وخلق حالة من الاضطراب في الموقف لدى مجتمعات متخلفة تستقي ثقافتها بالتلقين 

    وهنا يأتي دور هذا النوع الذي طالما اضحك جمهوره حتى بسخافاته، التي مع التكرار شكلت المساحة الثقافية في اذهان متابعيه وبالتالي أصبحت سخرية هذا النجم من المقاومة وادعاءاته الكاذبة والتي تنم عن جهل واضح ووقح وجهة نظر ربما تجد من يتبناها من بين جمهوره المنحط ثقافيا بطبيعة الحال

    واذا كان هذا النجم يفتقد لأي قدرات تذهب به أبعد مماهو عليه، فقد كان من واجب النخبة استغلال أمثاله فعين سفيرا للنوايا الحسنة، أي بعبارة معبرا عن احد اهم مرافق النخب الحاكمة ضمن البيئة التي يخاطبها، هذا اللقب اللذي حصل عليه غيره دريد لحام وجمال سليمان وانسحبوا منه حين فهموا نواياه كما قالو واختار هو البقاء بل والذهاب الى ما هو ابعد..

    ومن هنا فإن الأنظمة عادة تبحث عن كل ماهو مقنع وليس فرضه فقط في ذهنية الجمهور الذي فطر على انتماءاته الوطنية القومية والدينية، واذا كانت دعوة النخبة وفريضتها في مكافحة المقاومة لا تنسجم مع قناعات القطاع الأوسع مع الجمهور، فلا بد اذن من استغلال نوعيات مثل عادل امام وفاروق حسني وادونيس وغيرهم من المعجبين بالقوى الكبرى والساعين ما استطاعوا الانسلاخ عما يرونه ضعفا لا يلبي طموحاتهم الانانية والدونية..

    فامام يصف الكيان الصهيوني بالدولة ذات السيادة والراقية التي تتحمل مسؤولياتها

    وفاروق حسني يعتبرها دولة حضارية تسعى الى السلام ليحصل على مباركتهم لتولي منصب في الأمم المتحدة

    وادونيس يرى ان الحضارة العربية قد انقرضت ثقافيا على أمل الفوز بجائزة نوبل..!

    وسبقهم جميعا درويش الذي سيكون له وقفة أخرى..!

    فهل اكثر من هؤلاء قيان يمكن للنخب المسيطرة الاستفادة! وهل هذا يفسر ولو بجانب بسيط القدرة التي تمتلكها المنظمة العالمية على جمع الأديان والقوميات في خدمتها!!

     

    4/27/2009

    mad zara

    حين "هسهس" زرادشت

     

     

    محمد لافي "الجبريني"

    هكذا إذن! فهذا العالم الارعن يقوده حمقى!

    ونحن. ألا يحق لرعننا بقليل من الهواء والحرية..

    الى متى سنبقى العقلاء الحكماء الرزناء المهوسون بالازياء الاحتفالية التي تقيد الجسد والعقل بدءا من الدشداشة الناصعة المغطاة بعباءة الحرير الشفاف وانتهاء ببدلات السموكن في عز القيظ!

    اريد مجانين..

     

    صحى فزعا مرعوبا مسكونا بالقلق الإنساني والغريزة القتالية الأولى للإنسان القرد، غذتها فيه قصص جون وين وكلينت استوود والتوارة!

    بعد ليلة ربما كانت صاخبة في مستواها قياسا لنبي ينفذ تعاليم الرب المختبئ خلف غيمة تظلل جبال روكي..

    رغم انه قاطع الويسكي منذ وجدت فيه النخبة الانغلوساكسونية خليفة محتمل لتبوء عصى موسى في أرض الميعاد، إلا أنه لم يمنع ولم يمانع في ترع عدد من الكؤوس من النبيذ المعتق الذي روعي فيه النقاء من المركبات الكحولية الكيميائية واعتمد فيه العنصر الطبيعي المحض الذي عصرته الآلات الخشبية في ريف مرسيليا منذ عقود وخزنته اقبية الاليزيه، حتى لا تستيقظ فيه عقدة الادمان القديمة، وحتى ينفتح اكبر عدد ممكن من خلاياه الدماغية المنهارة لاستيعاب النقاش السطحي والتعاليم الاكثر جوهرية مع رجال الطاولة البيضاوية في إحدى النوادي المنغلقة عن كل شيء الا الغيمة القابعة فوق جبال روكي

    تضغط ربطة العنق على رقبته بشدة، لكن بروتكول هيبة النبي يطغى على اعتبارات عديدة خاضعا لقانون ظروف الاستلقاء الفكري

    تحفل الجلسة إلى جانب نبيذ من دم "جيسوس" بتعاليم "يهوى" الى "موزيس" في طور تشكل سيناء، تقرأ التوراة،تفخم الآيات وترنم الادعية خلف آيات محددة، يقف لغد وجه ويعلن أن حرب الشر والخير دخلت مرحلة مفصلية..

     

    يذهب صاحبنا الى مخدعه ورنين الخلاص تداعب خياله، مبهورا بها كطفل يشاهد فيلم كرنون، يلقي التحية على تمثال ليرتشارد قبل القفز على السرير، ينحني امام صليب، قبل ان تغفو عيناه على صورته مسربلا بزي فرسان الهيكل، ليحلم بغريندايزر سوبرمان وربما هيركوليز!

    ***

     

    طوال صباي وأنا انتظر، اعد السنوات لقدوم ألفين وثمانية، مسكونا بمرض رافق مراهقي تلك الفترة عن الفتى عدنان الذي ينجو إلى جانب القلة من حرب مدمرة تستخدم فيها الأسلحة المغناطيسية، تبيد الأرض وتخل توازن الكون!

    خططت لكل أمر ممكن الحدوث –على أمل الحدوث

     قررت أن الاحراش المجاورة ستكون مكانا ألتقي فيه عبسي الذي سيشاركني المعارك ضد الغزاة، ولكم كانت خيبتي شديدة حين التقيت زميلا في المدرسة اسمه عبسي ويصلح لكل شي سواء عالم رياضيات او وزيرا او بائع بقالة أو رجل متزوجا ببجامة زرقاء مقلمة ونظارات سميكة وشبشب بلاستيك يغسل جديا غداة صلاة الجمعة من كل اسبوع، ويأكل المقلوبة وينام ظهرا وعصرا ومساء، ويشاهد القنوات الاباحية قبيل الفجر، يشتم أولاده واخوانه وابوه لأنه يعجز عن توجيه نظرة عدم رضى لمخبر الحي، ويتلذذ بمشاهدة المسلسلات المصرية....الخ الا ان يكون عبسي

     

    تغير السيناريو قليلا لكن الخطة لن تفشل، ففي الفين وثمانية سأتجاوز سن عدنان! ربما أكون مناسبا لتقمص شخصية نامق التي سأقولبها لتشبه جون سيلفر الذي لم تتمكن حتى بريطانيا من إخضاع قرصان مثله، المهم ان الامر في ألفين وثمانية لن يأتيني على حين غرة، ومهما يكن فسأكون عنصرا فاعلا في مقاومة لا بد ان تخلق لمواجهة المحتل المغناطيسي، وسنتقمص وابناء جيلي صور ابطالنا التاريخيين في افلام الكرتون التي انتجت منذ هزيمة ألمانيا وبدء الحروب الباردة والساخنة حتى الحرب الكونية التي ننتظر، سنقاوم المحتل الغريب، صورة الشر ايا كان، جيل من "الشجعان الثلاثة" و"فتيات القوة" و"الرجل الحديدي" و"الليدي اوسكار" .. جيل متطور من "البيكومونات"..!

     

    جاء ألفين وثمانية.. لم أكن وحدي من يتابع عدنان ولينا بمثل هذا الشغف!

    ***

    استيقظ بهلع يلهث كمن لا زال يحلم بأن لديه أمل بالهروب من وحش يلحق به! نظر حواليه، تلمظ وطعم نبيذ الليلة الفائتة أخذ مذاق فطيرة غير ناضجة على مذبح صهيون

    علم انه وجد أخيرا السبب ليتم تصديقه من قبل رئيس القرية التي ملت من صراخه عن الذئب الذي لا وجود له

    رفع الهاتف الأحمر، وضغط على زر يلغي المراقبة الرسمية له، قرأ عن قائمة قربه وضغط رقما من خانتين..

    ***

    كبر ذلك الصبي ولم تنزو في ذاكرته أي من حلقات كارثة ألفين وثمانية، التي كانت في كل عام منذ قص شريط الالفية الجديدة في سدني يحمل احتمال تطبيق سيناريو حربها الكونية..

    انتفاضة الأقصى الثانية التي حملت جنون الأمة النائمة منذ عقود، قرون! الى أقصى درجات هيسترياها الى الحد الذي اوحى ان هذه الهستريا هي الماء الذي طفح في الكيل وفار حتى ليبدأ يكبكب ويحرق ويسلخ ويفعل مالم يفعله منذ عكا التي سلقت الغازي بالزيت البلدي، لم تكن الا الاقصا في أي فعل مضاد ينتهي بكل وسائل التنفيس والتظريط على ابواب المفوضيات ولجان حقوق الانسان وبيانات التعهد بحفظ السلام، قطع الطريق على كل من يتآمر على الشعب الفلسطيني حتى لو كان هو ذاته، وهو الأرعن الذي لا يكف عن الشغب الذي يستجلب عليه قرص الأذن لما يتسبب غوشة في تأخير "النهضة الشرق الاوسطية"

    ***

    لكن صبيا آخر كبر ولم يغب عنه قصص التوراة وأحلام الكاس المقدسة والحرب الكونية التي ترجمتها قصص أفلام الكرتون في عدنان ولينا وهاري بوتر

    ***

     

    فغر الرئيس على طريف المحيط الأخر فمه، أربكه بأي لفظ يرد على أحمقهم الجديد الذي تجاوز كل خطوط التربية الاستعمارية الامنة!

    لو كان حفيده لوبخه على ذلك، لسجنه في الباستيل برفقة نخبة من أساتذة الأدب والموسيقى والعلوم،التاريخ والأديان والفلسفة، لجرعه السياسة بكل ملاعق الايدولوجيا، لعلمه أصول السياسة التي لا مكان للفضائح الغيبية فيها، لعلمه درسا في كيفية الاستفادة من العالم دون معاداته، لكان بعد ذلك عمل بكل جد لاستبعاده عن أي منصب سياسي في مستقبل البلاد..

     

    لكن هذا رئيس الغرب، ريتشارد الجديد، وحامل الدرع الغربي..

     

    - سيدي الرئيس.. هل تستشيرني بأمر لاهوتي؟ أخشى أن أي من مستشاري الذين قد يملكون إجابات وافيه غير متواجدين لخدمتك الان!

     

    - لا لا شيراك، يجب ان تفهمني، انا يجب ان أصارحك الآن بعد أن لم تترك لي خيارا.. إن يأجوج ومأجوج سيخرجون قريبا وأنت تعلم ما قالته التوراة عن الشرق، يجب ان نكون هناك، العراق وفارس والأسيويين ضيق العيون..قيمنا في خطر حقيقي جاك

     

    - أوه سيدي الرئيس! اقدر حميتك، لكن قرار خوض الحرب بيد الحكومة الفرنسية المنتخبة بالتشاور مع الشركاء الأوروبيين والأصدقاء حول العالم، أنت تعلم ان ذلك قرارنا منذ كارثة الحرب العالمية الثانية، وليس خاضعا لرغبات فردية، وأنا كمعبر عن هذه الإرادة أرى أن الحرب لن تحقق المزيد من السلام بل ستجلب المزيد من التطرف والعداء لقيمنا الديمقراطية إن كنت تقصد ذلك.. سيدي الرئيس

    ***

     

    جاء ألفين وثمانية ومضى الفين وثمانية، انتظر الحرب الكونية تأت وتخلصني،يأت المد الفيضان يشطف الكون ويعيد الفتى إلى غريزته، تنقلب موازين القوة، وتحول إلى خرائط "الشرق اوسطية" الى حفاظات أطفال أكثر البرجوازيين ترفا، تعيد اللغة العربية الى قواعدها، ليس مهما ان تكون سالمة، لكنها حتما ستعود لترمم نفسها كما تفعل دائما

     

    جاء الفين وثمانية ومضى ، كما جاء ومضى المسيح الدجال، خرج يأجوج ومأجوج وموجو جوجو وكل أنواع ال"FREAKS" من الأساطير من اللاهوت من النظرية النسبية ومن اتفاق الأديان، تنقلب الموازين تتغير الأركان تهوي السماء ويمر مذنب هالي على اساطير منجمينا، تنهار اكذيب وتنهض اخرى، تفلس دبي وتتبخر الدولارات الافتراضية، يذكر شيخ بأحاديث عن الحفاة العراة ومبانيهم الزائلة وقرب القيامة، ويدحض آخرون ويجدون سبيلا اخر لمكافحة "التشيع" ويقرر ولي الامر ان الامر صار اكثر خطورة..

    تمضى الأعوام على امة من العوام، كل شيء بالنسبة لنا نهاية، إلا هم.. كل شيء هو البداية حتى لو قامت القيامة، فنوما هنيئا ياعرب،وعقلا راجحا وحكما سديدا ودخلة فخورة إلى مؤخرة التاريخ..

    2/9/2009

    MEDIA propaganda

    أخوية قابيل وهابيل

    "الإعلام العربي" ذيل يهتز كما تريد مؤخرة الكلب

     

     

    يبدو أن هذه الأمة باتت خارج الزمن المعترف به إنسانيا وكونيا، إلى الحد الذي باتت فيه تعاني من أزمة وجودية تتعلق بحقيقتها الإنسانية بل والإيمانية، وباتت بحاجة إلى طرح أسئلة قبل أن نطالبها بالإجابة عليها، فيما يخص كونها تشكل حالة ذات روابط تفاعلية مشتركة ام أنها لم تعد تتجاوز أكثر من كونها أشلاء استقل كل خيط فيها بذاته بعيدا عن الراية التي كانت تجمعها

    هذه الامة التي لم تعد قادرة على الاجابة على الاسئلة البديهية فيما يتعلق بيومياتها بات عليها ان تنظر قليلا الى فوق، او الى الامام، باتجاه القبلة مثلا، لتطرح على نفسها اسئلة من نوع آخر، وهي التي باتت ترى أنها تعيش حالة من الصحوة الدينية إن كانت فعلا تحمل في طياتها أي أبعاد دينية تؤهلها على عقد الامال على غيبيات ومعجزات تنتشلها من حضيضها –على فرض وجود رغبة في الخروج منه أو قلب موازين القوى في العالم بجناحي الملك جبريل المطالب بأن تهتز فرائصه غضبا لما يحدث في غزة او حدث في العراق، حتى يعود الذئب ليرقص مع الحمل ويلهو أطفالهم بالحيات!

    الصواريخ اليهودية التي تحرق غزة منذ عشرة أيام لم تنسف بيوتا أو تجتث رؤوسا أو تمزق أجسادا مادية وحسب، بل نجحت في اختبار جديد للمفاهيم الدينية والقومية والإنسانية والعبثية حتى بحرق كل الاشجار والاحجار التي يختبئ خلفها دعاة مثل تلك المفاهيم،وكأنا بكل خطاب أو بين يصدر يصرخ بعباد يهوه، أن هذا كذاب مدعي خلفي فتعالوا خوزقوه، اللهم الا المتفاعلين مع قناعتهم وهم القلة القليلة التي تجمع الكرة الارضية والزمن الدائر في فلك عاصمتها ومن ألقي بهم خارج زمانها على ابادتهم عن بكرة أبيهم

     

    ذيل الكلب

    وهذا كان دور الاعلامي الامة، العربية، على العموم ودور مثقفيها، أي تجميل صورة من لا صورة له وإبتداع موقف لكائن يذوب مع الدخان في الهواء ولا يترك رائحة يمكنها ان تنافس رائحة تجشؤ قط مر للتو على حاضر لا حضور كينوني له.

    فإذا كان المفهوم الشعبي السائد لدى السواد الاعظم لهذه الامة أن معظم وسائل الاعلام العربية هي بالحقيقة عبرية الهوى وترسخ وتثبت أكثر مع كل شظية وشرارة تمزق آخر البقاع الحية فيه، فإن المفاهيم الاخرى لوسائل الدعاية العربية الاخرى لم تعد تبتعد كثيرا عن حالة اللاحالة،أي الذيلية المهنية والاخلاقية في ما يتعلق بالتعاطي مع مهنة وروحية الاعلام والتثقيف.

     

    الفضاء المعلب

    الفضائيات العربية الرسمية وشبه الرسمية والرأسمالية، الاكثر شعبية في الدور التثقيفي المعاصر مع انعدام الموهبة الخالقة والجدلية في البحث والاكتفاء بالتلقي، هي الاكثر سيطرة –تبعا لدورها- على الفضاء التلفزيوني إنقسمت الى قسمين في تدوير الاخبار فيما بينها، وهي لا تبحث في الخبر، وهو أقل ما يفترض بالاعلامي المهني ان يفعله، لكنها جميعا بدون استثناء تستقيه من مصادره الأخرى ثم تعيد صياغته كل حسب الدور المنوط بها

     

    الراقصة والسياسي

    القسم الاول من تلك الفضائيات والتي لا تقسم حسب مهنيتها أو انحيازها الاخلاقي بقدر ما تقسم وفق أدورها،مثلتها السواد الاعظم من المحطات على أجهزة استقبال البث الرقمي، ابتداء من الإماراتيات وإنتهاء بالمغاربيات واللاتي بدورهن قسمن أدوارهن فيما بينهن، فانشغلت تلك "المنوعة" في مقاومة مستميتة لإقناع المتابع لها ان لا شيء ذا قيمة يحدث في غزة يمكنه ان يؤثر على مزاجه العام او سلوكياته الاستهلاكية والترفيهية، فأمعنت استغلالا فترات الاعياد والنهايات الموسمية للدورات البرامجية للترويج لمتعات مضاعفة إن قرروا ويجب ان يقرروا متابعتها، فمستقبل الاطفال مرتبط ببرامج الترفيه والتعليم على الطريقة الفرنسية كما هي القنوات اللبنانية، وسيدات المجتمع عليهن ان يكن نسخا مطابقة ويسعين لثورات اجتماعية داخلية ليكن نماذج تستحق التقدير كما هي المرأة التركية أو المصرية التي تبتدعها خيالات انسلخت عن مصريتها، وهو ما تتنافس عليها الفضائيات المنطلقة من إمارة الاثرياء دبي

     

    العاهرة في جلباب شيفون

    أما قسمها الاخر وهو الذي قرر انه إخباري ومهني "يريد أن يشكل اعلاما لا يعتمد على وجهة النظر الواحدة"! وترأسته بامتياز أفضل تمثيل لحالة اللاحالة التي تحدثنا عنها أعلاه فضائية العربية ذات شبه الاجماع الرسمي العربي في وأد أي برعم قد ينمو فطريا داخل الجوهر الانساني البسيط، وتماهت بل واندغمت بصورة مزرية مع الاعلام المعادي الصهيوني، فكانت طوال الفترة المنصرمة –دون الخوض في اسبقيات لن يتسع لها كتاب- في تبرير القتل الذي تعانيه غزة، بل ونهر أي سلوك تعاطفي باعتباره كفرا تارة –اعتمادا على فتاوى مشايخ هنا وهناك، وعبثية وفوضوية تارة لاعتباره غير واقعي مع ظروف الدول، وتآمري تارات آخرى بما انه يدين هذا النظام الرسمي المجهري في كينونته الذاتية في تآمره على غزة،وعليه فإن هذه الفضائية ومن على شاكلتها ما عادت –شأن حالة اللاحالة التي تمثلها- تخجل من مواقفها، بل وإنها وصلت الى حد الايمان بالمقلوب أن للصحفي دورا أكثر وجودية من نقل الحدث، وهو صنعه وجاء هذا في غير بيان للمقاومة الفلسطينية اتهمت فيه مراسلي العربية بالعمل ككلب أثر للعدو يدلهم على اماكن المقاومين ومواقع اطلاق الصواريخ..

     

    كده رضا

    أما القسم الثاني فهي تلك التي تعتبر حتى الان صاحبة اكبر جمهور على الاطلاق كونها تطرق وعلى الاحرى كانت تطرق كل التابوهات التي اعتقد العربي ان من الكفر عليه تخيلها، وتتربع عليها وحيدة قناة الجزيرة الفضائية، الا أنها على خلاف ما هو متوقع منها بدأت تبحث عن مكان لها في قائمة الاعتدال والرضى خصوصا بعد المصالحة التاريخية بين قطر والسعودية وبالضرورة المصالحة مع كل الدول التي تدور في فلك السعودية، وبتالي التالي عدم احراجها وتمرير ولو حد ادنى من رسائل الحلفاء الجدد، على اعتباره رأيا آخر ينسجم مع شعار الجزيرة التي لم تكن تجد أفضل من تطبيقه بطرح وجهات نظر الصهاينة، وبهذا فإن على هذه القناة وطبقا للدور المنوط بها استغلال الزخم الجماهيري لها افضل استغلال المحافظة على وجوده قدر الامكان حتى تمرر أكبر كم من وجهة النظر المعادية، فلا مانع من تغطية على مدار الساعة للاحداث في غزة واظهار مشاعر الشعوب حولها، لكن مع تمرير وجهات نظر قد تقل من ناحية الكم لكنها بلا شك تضاهي من ناحية النوع حجم كل وسائل الاعلام الاخرى في الترويج لوجهة النظر المعادية، وهو أيضا من باب الرأي الاخر، مثل قطع مؤتمر صحفي انتظره العالم لسماع أخبار المقاومة من تحت الركام لبث تسجيل لناطق باسم العدو، من باب الرأي والرأي الاخر، ومماحكة الناطقين باسم المقاومة بان ما يقولونه غير صحيح وعبر عملية أخذ ورد تتجلى فيها براعة المخرج والمشرف تنهي اللقاء بمحاولة ايحائية لطرح علامات استفهام حول موقف المقاومة، وذلك اعتمادا على سيطرة المذيع على مدة وشكل وطريقة طرح الاسئلة واستقبال الاجابات وهي من وسائل الاستخبارات العالمية التي يبدو أن للجزيرة نصيب فيها. ومع كل ما قد تشكر عليه فإنها ليست الا جزء من خيار استراتيجي لدول مرتبطة تمارس دورا يضمن استقرارا لا يهدده جيران و"ضيوف" أقوياء

     

    بصيص يبهر الابصار

    يبقى هناك طرف لم يصنف ضمن تلك الوسائل الاعلامية، وهو الاعلام المقاوم الذي جذب له جمهورا لا يستهان به ، دشنته بلا شك فضائية المنار قبل سنوات وبدأت تخطو على نهجه فضائية الأقصى، ورغم الضعف الفني مقارنة بامكانات فضائيات الذيلية فإن ما يؤكد قدرتها على الصمود، انها تمارس الصدق في الطرح والجذرية في الموقف في زمن بات الصدق فيه خاضعا لمعايير التكنولوجيا وقدرات فريق من البوليس خلف الكواليس

     

    محمد لافي "الجبريني"

    القضية الفلسطينية صعودا وهبوطا على أسنة الاقلام

     

    الادب القضية

    القضية الفلسطينية صعودا وهبوطا على أسنة الاقلام

     

     

    أن كون الأدب الفلسطيني تحديدا بين الأدب العربي.. أكثرهم انشغالا بموضوع (المقاومة), ليس من باب المصادفة, ولا حتى الرغبة. إنه الواقع المعاش وقهره, ماذا يكتب الناثر ويشعر الشاعر ويرسم الفنان, إن لم يكتب ويرسم الكاتب والفنان عن واقعه الحياتي, وواقع أهله وناسه في الوطن.

     

    هذه قضية تحلينا مرة أخرى الى المؤسسة والمشروع الذي تتبناه الحالة السياسية السائدة والقدرات الذاتية على تطويرها جماهيريا "عشوائيا" أو مؤسساتيا "منظما" ولهذا فيمكننا دائما ان نلاحظ بروز الادب المقاوم جديا في عقد الخمسينات تلك الفترة التي كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة لا تزال خلالها تتلمس طريقها السري وتأسس لفرادة الحالة القافية الوطنية الفلسطينية ضمن مجالها القومي الاوسع دون اخلال بأي منهما
    بل انها كانت أكثر حاجة –وهذه ليست قطرية ضيقة- لإظهار الفرادة الفلسطينية والحاجة الى اقناع الجماهير العربية أنها لا يمكن ان تبقى حبيسة الوصاية وأن الفلسطيني بحاجة الى ان يقود الطريق الى التحرير والثورة لا ان يكون تابعا
    وهي النظرية التي لم تتبناها حركة فتح في مجلة فلسطيننا وحسب بل تبنتها ايضا حركة القوميين العرب التي كانت تعيب على فتح قطريتها الوطنية حين اعترفت أنها كانت بحاجة الى التنظيم الوطني الفلسطيني ليحمل التفسيرات القومية ويجيب على الاسئلة العملية الملحة
    كل هذا اثبت حاجته للأدب للشعر و والقصة في حين لم تكن الرواية قد وصلت بعد الى ان تصبح حالة
    وبدأت المؤسسة السرية للثورة الفلسطينية تبحث عن مبررات وجودها وأسباب عقائدها
    فنهض لوركا من قبره وأعيدت قولبة سارتر ليصبح فلسطينيا وبدأت "فلسطيننا" و"الطليعة" و"الرأي" و"الحرية" والكثير غيرها تحمل بتصاعد مشاريع منظمة لكتاب وأدباء
    ويصبح الوضع انفجاريا بعد أن كشفت فتح اللثام عن شعارها وتبعتها باقي الفصائل
    وبطبيعة الحال كان على جيل الكتاب بالأسماء الحركية قبيل الانطلاقة المسلحة أن يحملوا ثورتهم ويقنعوا العالم بها فتفرغ منهم من تفرغ وكان الامر قرارا لا خيارا
    تلك الثورة بحاجة الى فنانيها، شعرائها، موسيقاها رياضيها
    هذه الثورة انسانية وليست محدودة ثورة انقلابية وليست طارئة
    ولهذا فكانت البندقية تعتمد كثيرا على القلم الذي اعتمد على حب الجماهير له وايمانها بما ينبئ به
    حتى بدى يخبو من يخبو وينجرف من ينجرف بعد تخلي المؤسسة عن برنامجها الثوري لمصلحة الحكومة المؤقتة في الجزائر وكانت أشهر الصرخات برسومات الشهيد ناجي العلي الحارقة وملحمة "مديح الظل العالي" للراحل درويش وكأنها كانت تأبينا لذالك الزمن الذي ستتبعه اوسلو بكل مخازيها التي لم تسلم منها بالضرورة الثقافة والادب
    فحيث انحرفت المؤسسة واستسلم مثقفيها لليأس والقنوت او الانصياع لم يكن الامر بحاجة الى دعاية للفضيحة وأي تبرير لها كان سيلقي بصاحبه الى جهنم لم يسلم منها شاعر القبيلة نفسه درويش اذ حاول ان يفعل

    سقوط الرموز كل بطريقته

    لا شك أن المؤسسة الفلسطينية أولا والأديب الفلسطيني ثانيا والطبقة المثقفة ثالثا تحمل في رقبتها مسؤولية مآل الأدب المقاوم الذي يفقد قيمته الشعبية بهذا التجاهل المفرط باتجاه ألوان حداثوية تحت المفهوم الانسانوي الغير ملتزم المتحلل من أي رباط أو موقف سياسي لتبرير جنوح مفرط سقط فيه للاسف قطاع واسع من الأدباء تبعهم اليه بالضرورة مريدهم ومن لحقهم من اجيال لم تجد من تتأثر به الى البروز الذي وصل اليه هؤلاء

    وكان أشهر من برر واعترف بهذا الامر الراحل محمود درويش حين صنف نفسه بالشاعر الكوني في تصريح لصحيفة ألمانية و"لست شاعر القضية" في تصريح لصحيفة صهيونية

    ورغم هذا أبقته ايقونته حارسا على شعر المقاومة

    اما كنفاني هو الاديب الغير عادي ليس على الصعيد الفلسطيني بل على الصعيد الكوني، وليس من باب فنياته الادبية التي ليست معرض حديثي الان بل من ناحية انسجام الاديب والمثقف المقاوم مع نفسه، أي الاديب العملي الفعلي التصعيدي التحريضي المباشر الطليعي لا المتقوقع خلف زنبقات القول في ابراج طوباوية موغلة في التلهي التنظيري

    وإن عاصر غسان العشرات من كبار الادباء من الفلسطينين ورغم أن عددا منهم قد استشهد الا ان العديد منهم لم يكن ليحمل ذات الصفات الأدبية المقاومة لغسان

    إن ابداع غسان كان يتجسد في كل كلمة تتبع اخرى في أي من نصوصه ، تجد فيه النبوءة وتجد فيها المنطق والرومانتيكيا الثورية، تجد الطموح الشرعي ولا تجد فيها التوقعات الخيالية الهدامة،

    إنها ليست عبقرية الفنان بقدر ما هي عبقرية الثوري

     

    الاستشراف الأدبي المقاوم

    واذا عرجنا على احداهم ابداعاته رجال في الشمس، تلك الرواية هي جزء من قرار مصيري وبيان ثوري يتداوله الشعب جيلا فجيل مرمز بشيفرة لا تخطئها النفس المقاومة

    رجال في الشمس هي الوصية التي لم تخرج في لحظة تجلي ادبي بل هي أشبه ما تكون بمخاضتجارب شعب أخذ صورة اعجازية في تلك الرسالة،الرواية..

    ففي الرواية مهما كتب اعتقد أنها لم توف حقها في التفسير

    وتلك الصرخة "لماذا لم تدقوا الخزان"

    هل قلنا أنماركس كتب وصار نبيا؟

    ميشيل عفلق؟أنطوان سعادة؟قسطنطين زريق؟هوشي منه؟بل وحتى التشي أرنستو..

    لفلسطين لم يكتب بيان وهدف استراتيجي وأديولوجيا يجب تبنيها اكثر من فهم رسالة تلك الصرخة

    لا حلول فردية، لا تلحق سرابا سوف يقتلك منسيا، لا تسلم قضيتك للخصيان حتى ولو كانوا ذات يوم مناضلين

    10/5/2008

    abu jaafar almansor

     

    القصة الموجزة لاندحار العرب بموالي الفرس

     

    أفول أمية بسواد العباس

    من مروان بن محمد إلى أبي جعفر المنصور

     

     

     

    محمد لافي "الجبريني"

     

    الصراع الاموي الداخلي النار تأكل ذاتها

    قال العلامة عبد الرحمن بن خلدون فيما قاله عن نشوء الأمم وزوالها أن بلوغ أمة ما ذروتها هو بمعنى آخر التأرجح قبل الأخير وبدء انتظار أفولها وانحدارها لتأخذ أمة أخرى او حضارة جديدة مكان الريادة والسيطره على انقاضها.

    وهذا ماكانت قد وصلت اليه الدولة الاموية عمليا منذ أزل حين وصلت الى الامر في عهد سليمان بن عبد الملك وبدء الإيذان برحيلها منذ أخذ الترف يغزو حضارتها الاجتماعية في عهد عمر بن عبد العزيز إلى أن وصلت الى ذروة انحدارها ومرحلة قرع جرس الزوال في عصر مروان بن محمد في الصراع الذي عصف بين أبناء العمومة في بني امية ما أدى بصورة او بأخرى الى ثورة الولايات فثارت اليمانية في العراق وانحاز لثورتهم الشيعة وانفصل جنوب بحر قزوين واستشاط الموالي فيما وراء النهر ، وارتد حكام الهند عن الملة تبعهم القبط في مصر  ولم يكن الخوارج بأقل حظا في هذه الثورات الى الحد الذي مكنهم من السيطرة على بلاد المغرب العربي وتأسيس دولتهم هناك وانقسمت الاندلس اضف اليه الصراعات الداخلية في بني امية التي كان بندها الاساسي التنافس على الملك فهشام عبد الملك أراد عزل أخيه الوليد لكنه مات قبل ذلك فما كان من الوليد بعد توليه الخلافة الا ان انتقم ممن أزروا هشام في ماكان يريده فقتل وحبس وعذب فواجهه ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك واغتاله ليحصل على البيعة الى نفسه  ليموت بعد اشهر ويتولى الخلافة بعده اخوه هشام الذي ما عتم ان ثار عليه  بن عمه الاخر مروان بن محمد  آخر الخلفاء الاموين والذي كانت نهايته على يد ابو عباس السفاح

    ليدشن موته عصرا جديدا لدولة جديدة شيدت على الانقاض.

     

    الثورة الشيعية.. يا علي.. يا عباس!

     

    استشاط الخصوم الداخليين أملا بالفريسة المتهاوية ، وإن كان أعظمهم نفوذا شيعة علي بن ابي طالب الا أنهم لم يكونوا  الاخطر بعد موت إمامهم محمد بن الحنفية على دولة بني العباس بعد تشرذمهم فرقا وهم الطائفة التي تؤمن بولاية الامام  المعصوم فانتقلت الولاية الى محمد بن علي ابن العباس عراب الدعوة العباسية التي كان لها الامر فيما بعد الخلافة

     

     أرى بين الرماد وميض نار         يوشك أن يكون لها ضرام

     فإن النار بين العودين تذكى        وان الحرب أولها كلام

    فقلت من التعجب ليت شعري       أأيقاظ أمية أم نيام؟

     

     

    انها ساعة غروب الشمس الاخيرة على إمبراطورية العرب الأولى بعد أن ناهشتها الأحداث، وعصفت بها الأنواء، وتوسعت الخلايا الهدامة من داخلها ليطمع بها خارجها، فعلى ما يبدو ان نظام الملك الوراثي الذي أسس له معاوية بن ابي سفيان ليحفظ تماسك دولته من إشكالات الخلافة التي كادت تهدم ما بنته الدعوة الإسلامية بعد احداث عثمان وعلي لم تعد حلا يمكنه أن يحفظ الدولة بين أحفاده، الذين تكالبوا هم أنفسهم على بعضهم البعض للفوز بقيادة أعظم امبراطورية في ذلك الزمان .

     

    فبلغ الامد بين خصوم الدولة حدا أصبحت معه آمال الكثيرين منهم أكثر قربا لينزعوا قيادة الأمة من بيت بني أمية، خاصة مع اتساع رقعة الشقاق بين عمادي الدولة الأموية وقبائل العرب -القيسية واليمانية- خاصة وأن الأمويين لم يكنوا يعدلون مع الاخيرة، ما شجع غلاتهم على التحالف مع أعداء بني أمية في مناسبات كثيرة دعمت صفوف المنشقين من خوارج وشيعة وموالي وبربر وغيرهم على الاثخان أكثر في اركان الدولة المترامية الاطراف، الى الحد الذي جعل الاعداء الخارجيين يلتقطون اشارات الضعف تلك ليثبوا بدورهم كل من زاويته، فارتدت قبائل من بلاد الهند والسند وفارس وافريقية وعادت تطالب بالثورة والقضاء على المسلمين، وانتفض الموالي حين بزغت دعوات جملة من العرب يطالبون بالعدل بين المسلمين جميعا والمساواة بينهم دون تفضيل عربي على عجمي الا بالتقوى، خصوصا في بلاد فارس التي كانت ترى في نفسها حضارة قومية كبت بسبب عنجهية العرب، وبدأت تداعب نفوسهم أحلام السيطرة يغذيها خؤولتهم للآل البيت الذي كان منها زين العابدين بن الحسين ابن شاه زنان ابنة إمبراطور فارس وزوجة الحسين.

     

     

    هذه الاضطرابات الخطيرة في دولة بني امية لم تغب عن اعين منافسيهم من بني هاشم الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر، فنشطوا  للاستفادة منها هذه المرة بزعامة فرع آخر من آل هاشم هو بنو العباس من نسل العباس عم النبي، بعد أن تثبت الامر لهم كآخر أفخاد بني هاشم قوة بعد اندثار الدعوة الحسينية وضياع القيادة من أي عنصر مهم في نسل علي وتجد صدى بين الموالي من الفرس الذين وجدوا في التشيع حركة سياسية تؤطرهم بدعاوي دينية تستند الى مظلومية الحسين والندم على مقتله.

     

    ولعل هذا ما يفسر تأخر آل العباس في المطالبة للخلافة مع علو مركزهم في آل هاشم خاصة وقريش عموما، وقد كان كل همهم مساندة دعوة علي وأبنائه من بعده، فالعباس رأس هذا البيت دعم بإصرار علي في تولي الخلافة بعد النبي قبل أن تذهب الى ابي بكر ثم عمر من بعده.

     

    لم يختلف الامر كثيرا مع ابنه عبدالله بن العباس الذي لم تكن به هو الاخر رغبة في المنافسة على الخليفة الا بدعمه لابن عمه علي، رغم اعتزاله السياسة بعد فتنة كربلاء، ليسير على دربه ابنه علي بن عبدالله بن العباس الذي ولد في ليلة مقتل علي بن ابي طالب والذي حجر عليه بنو امية في الحميمة لعلمهم بسمو مركزه وجلال قدره في بني هاشم الى الحد الذي وصف به بالباقر لبقره العلم، الذي اشتغل بجمعه وتعلمه الى ان وافته المنية دون اي احداث سياسية يشارك بها حتى مات في الحميمة حيث قضى معظم سني حياته.

     

    الطموح العباسي كان له ان يظهر بعد أن شجعته الصدفة لتوقظ  أحلام ريادة آل البيت على الامة كان ذلك بعد أفول نجم القيادة العلوية على آل البيت حين جاء ابو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية بن علي ابن ابي طالب وريث الدعوة الشيعية التي تسمت بإسمه بالهاشمية حين سرى في جسده سم الاغتيال وأحس بدنو أجله وغياب اي وريث يصلح لقيادة الحركة الشيعية فيوصي بها الى محمد بن علي العباسي وينقل اليه علم التأويل118 .

     

     حتى ذلك الوقت كانت الدعوة الشيعية تسير على قدم وساق بتشكيل الخلايا السرية والدعوة الى الثأر لقتلة الحسين وهدم عرش بني سفيان ورايتها تنتقل من يد الى يد الى ان وصلت الى محمد بن علي العباسي الذي بدأت على يده تلك الدعوة تأخذ شكلا أكثر ايجابية وعملية، فلخص أهدافها بالقضاء على دولة امية وإعلان الخلافة في بني هاشم، وذلك بالدعوة الغامضة الإيحائية التي سماها ب"الرضا على آل محمد" دون أي اشارة قد تخلق انشقاقات محتملة عن ماهية آل محمد، ان كانوا من بني العباس او علي، ليتجاوزها محمد بدهاء السياسي ويركز دعايته بالتخلص من ظلم بني امية، وفضل آل البيت، والدعوة الى مساواة العرب بالموالي  والاستفادة من الاحاديث التي تشير الى مثل هذه الدعوى واشاعتها بين الناس، ومستفيدا من الزخم الديني الى الحد الذي جعله يتخذ اثني عشر نقيبا في اشارة ضمنية أكثر وضوحا الى حواريي بني اسرائيل والى الاثني عشر رجلا من الاوس والخزرج الذين بايعوا الرسول في العقبة.

     

     

    وتصبح الدعوة العباسية أكثر تنظيما ومنهجية فيرسل الدعاة الى كل الاقطار متنكرين بأزياء التجار ليجمعوا الكوادر والاموال ويكون موعد اللقاء ومكانه في كل عام بموسم الحج بعيدا عن عيون امية.

     

    الرضا لآل محمد

     

    بدأ محمد بن علي بتركيز دعوته الى بلاد فارس التي شاعت فيها رغبة الثورة اكثر من غيرها وحرضهم على الانضمام الى ثورة آل البيت وجود عرق فارسي فيها يتمثل في انهم يعتبرون انفسهم اصهار النبي وأخوال نسله عبر الحسين الذي تزوج ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين، الامر الذي جعل التشيع يأخذ صدا اكثر في بلاد فارس، هو ما تنبه له محمد بن علي فركز دعوته في خرسان أقوى المدائن في فارس الى الحد الذي جعله يوصي دعاته بالتركيز على خراسان بقوله " إن هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر" وهذا الامر الذي كان يخشاه بنو امية حتى سرت بينهم مقولة "أن بنو امية يقدرون أن يرتقوا اي فتق الا في خراسان"

     

     

    لم يعش محمد بن علي ولا ابنه ابراهيم من بعده ليشهدوا ذلك اليوم الذي ستصل دعوتهم فيه الى مبتغاها، فهدت أركان الدولة الاموية المتداعية، وأسست دولة بني العباس على يد عبدالله العباس وأخيه ابي جعفر المنصور، إلا أنه ولا ريب فلولا إصرارهما لما كان لهذه الدعوة ان ترى النور، ولولا حنكة إبراهيم الذي خلف والده ما كان لهذه الدعوة أن تستفيد من خبرات أحد أهم الرجالات الداعمة لتلك الثورة،

     

    انه الرجل الذي اكتشفه إبراهيم بن محمد العباسي والذي سيكون فيما بعد رديفا لإسم الخليفة المنصور وذكريات نشوء الملك العباسي يتردد أينما ذكر ايهما، ويحفر الى التاريخ في أدبيات شعب فارس، إنه "إبراهيم أبو اسحق عبد الرحمن بن مسلم الخراساني" العبد الإيراني لأحد دعاة الكوفة قبل أن يشتريه محمد بن علي ويجعله لإبنه ابراهيم، الذي وجد فيه الطينة الصالحه لحرب الامويين فلا هو قيسي ولا هو يماني ينحاز قلبه لعصبية قبلية، بل هو إبن مسبية وجارية يشتعل قلبه بأحلام الثأر من العرب، فيجعله دهاء ابراهيم عاملا على خراسان وهو ابن تسعة عشر عاما ليصبح من يومها إسم ابو مسلم الخراساني الذي لم تلمح على وجهه ابتسامة طوال حياته كفيلا بأن يدب الرعب في نفوس حلفاء العباسيين قبل أعداءهم قبل ان ينقلب بثورته المضاادة بعد ذلك.

     

    وعلى ماكان يأخذه البعض على الدولة الاموية في تلك الفترة فإن الدعوة العباسية مارست ما هو أشد منها في الاتجاه المعاكس، فإستغل ابراهيم مافي قلب ابي مسلم من حقد على العرب وأججه تاركا لمخيلته ابداع ما يمكن بعد أن أوصاه بنصرة آل بيت رسول الله، بالتفريق بين العرب وأن يجعل هدفه ابادة كل ناطق بالعربية في خراسان وهو ما نجح به ابا مسلم ايما نجاح حين ابتدأ ذلك بموقعة الخندقين الشهيرة بين نصر والكراماني فأجج الخلافات بينهما حتى قتل احدما الاخر وعاد هو والتفت الى المنتصر المنهك فقضى عليه.

     

     

    لما اشتد عود الدعوة، وأمست أوسع وأكثر شيوعا من ان تبقى سريه، أذن الامام الى ابو مسلم وباقي دعاته، بإشهار الدعوة في رمضان 129 هجرية 747 ميلاديه، لتظهر الدعوة العباسية صراحتها من الوالي الذي تؤخذ له البيعة بأن تكون لآل عباس،  فعقدت راية الظل وراية السحاب في اشارة رمزية أخرى مما برع به العباسيون في الايحاءات واتخاذ الرموز المبهمة، بأنهم ظل الله على الارض الى آخر الدهر، متخذين السواد شعارا حزنا على شهداء آل البيت ونعيا على المقتلة التي يتوعدون بني امية بها، فأوقدوا الجبال نارا وشيدوا المعسكرات إذانا بانطلاق مرحلة التعبئة الكبرى لكل مظلوم كما روجوا ليتأسس سواد جيوشهم في تلك الاثناء من الموالي الشعوبيين من غير العرب.

     

     شروق السواد

     

    لم ينجح أبو مسلم الخراساني من دخل مرو الا بعد نجاح دسائسه في موقعة الخندقين فما لبث بعد قتل حلفائه على نصر ان شن حملة تطهير كبرى في مرو لم يسلم منها كل ناطق بالعربية كما اوصاه ابراهيم، ومنهم عبدالله بن معاوية اهم رموز الدعوة الشيعية التي كانت تنافس العباسية وهو من سبط الحسين الباقي ، ثم التفت الى معسكرات الخوارج فأبادها،  حتى دخل خراسان فاتحا على مدينة لم يبق للعرب فيها اي ضاد ويغدو ابو مسلم واليا فعليا عليها يسك العملات ويعين العمال.

     

     

    مالبثت ان سقطت الكوفة في يد جيش العباسيين الذي قاده وريثهم عبدالله ابو العباس الذي ورثها عن أخيه ابراهيم بن محمد حين تمكن منه الخليفة الاموي مروان في الحميمة فخنقه وقطع رأسه، مفسحا الدرب من حيث لا يدري أمام اشد دعاة العباسية قسوة ومؤسس دولتهم عبدالله ابو العباس بن محمد بن علي، الذي رفع الراية بعد الحداد على اخيه ابراهيم بأربعين ليلة، ويعلن نفسه خليفة واميرا للمؤمنين بيد أخيه باني الدولة العباسية الحقيقي ومشيد بغداد أبو جعفر المنصور.

     

    مذبحة أمية

    كان على العباس ان يقوم بما اوصى به اخيه ابراهيم خصوصا ان مروان لم يمت بعد، بل واختار ان يتحصن بدمشق وكأنه يشرع الابواب للعباسيين ليقوما بما إنتظروه عقودا، بعد حصار دام أيام دخل جيش ابو العباس دمشق ليدخلها ويرتكب واحدة من أفظع المجازر التي عرفها التاريخ العربي فكانت الجثث في شوارعها تحصى بالالاف، وحين أعجزته الشوارع الخالية من الذبح نبش قبور بني امية ، بعد أن قتل له اليمانية مروان حين اعثروا عليه في مصر وقدموا له رأسه في طبق ، ثم يمم نحو الرملة التي علم أن امراء أمية نزحوا إليها فاستأمن من أمن منهم، جاوزوا السبعين اميرا، وحين اجتمعوا اليه أمر جنوده من الخراسانية فقتلوهم جميعا ليأمر بالطعام فيفرش على جثثهم التي لم يكن قد مات جميع اصحابها، فيأكل وانين المحتضرين تحته حتى شبع ويقول كلمته الشهيرة "ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها" لتلتصق بكنية ابي العباس منذ ذلك اليوم رديفتها "السفاح"

     

    ولم يبق امام السفاح الا بضع ثورات هنا وهناك أخمدها اخوه ابو جعفر المنصور الذي قضى على اخر الموالين لبني امية منتصرا بالاعجام بعد ان حكم العرب في بني امية لمدة اربعة عشر خليفة حكما عربيا خالصا بعد خلافة الراشدين في المدينة حتى قال المؤرخون أن بني امية أول وآخر ملوك العرب.

     

    ست وعشرون عاما قضاها الخليفة ابو العباس عبدالله قبل أن يقضي ليتول الخلافة من بعده شقيقه المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في سنة 158 هجرية لتعقد له البيعة  في الانبار وهو مرتحل الى الحج ابن احدى واربعين عاما 

     

     

    العهد المنصور

    يعتبر أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقى لدولة بنى العباس وإن تولَّى الخلافة بعد أخيه أبى العباس (سنة 136هـ

    فقد بذل أبا جعفر المنصور جهودًا عظيمة لتدعيم الأسرة العباسية فى الحكم، وإعلاء شأن الخلافة، وإضفاء روح المهابة والإجلال على الدولة الفتية على أنقاض اهيب الدول آنذاك فى الداخل والخارج.

     فبُويع بالخلافة بعد عودته من الحج ووفاة أخيه أبى العباس، بايعه أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام التى كانت أول الاخطار التي تهدد حكمه ضمن سلسلة تمكن المنصور من تجاوزها ، فكانت البداية مع عمه "عبد الله بن على" أميرًا،ورافضا مبايعة ابن اخيه اعتقادًا منه بأنه أولى بالخلافة، فما كان من أبى جعفر إلا أن أرسل إليه يد بني عباس الضاربة  "أبا مسلم الخراسانى" ومعه جماعة من أمراء بنى العباس فهزموهم هزيمة منكرة، وعادت بلاد الشام لتدين بالولاء من جديد.

    الا انه وما أن بدأ الجو يصفو لأبى جعفر بعد مقتل عمه "عبد الله" حتى التفت لمنافس طالما ارقه وجوده، منذ ارتفعت رايته، خاصة وانه أصبح بمثابة نبي ومخلص في نظر الشعوبيين من الفرس وهم سواد الدولة العباسية، وأي مطامع انقلابية من ابي مسلم ستنقلب وبالا على المنصور، خاصة وانه طالما اشتم منه روائح توحي ذلك باستخفافه بالمنصور، ورفضه المستمر للخضوع له؛ فأبو مسلم يشتد يومًا بعد يوم، وساعده يقوى، وكلمته تعلو.

     

     

      أدرك ابو جعفر المنصور ما لأبي مسلم من نفوذ يتيح له أن يستقل بخراسان متى أراد ذلك و الجيش تحت طاعته و إمرته

     

    وقد كان رأى بأعينه ما كان لنفوذ أبى مسلم بخراسان عندما أرسله أبو العباس عقب مقتل أبا سلمة الخلال ، و لولا نفوذ أبى مسلم لما قامت للدعوة قائمة في خراسان و انطلاقها منها، فكيف يتركه و قد أدرك ما له من نفوذ يتيح له أن يستقل بخراسان متى أراد ذلك و الجيش تحت طاعته و إمرته؟! بذل أبو جعفر المنصور جل جهده ليثني أبو مسلم عن ذهابه إلى خراسان بعدما قضى على عبدالله بن علي، فكتب إليه انه ولاه مصر و الشام و هما من درر المناطق الإسلامية، فلم يستجب أبو مسلم و خرج مشاقا يريد خراسان و كان هذا السبب الرئيسي و المباشر لمقتله، و قام اثر ذلك تبادل المراسلات بين أبى جعفر المنصور و بين أبى مسلم الخراساني يشوبها الترغيب و الثناء تارة و الترهيب و التوعد تارة أخرى و يضاف إلى هذا الرسل بين المنصور و الخراساني و ما كان لهم من دور في إقناع أبو مسلم أن يرجع إلى المنصور معتذرا، حيث انتهى الأمر بذهاب الخراساني إلى المنصور بعدما استخدمت الحيلة و الخداع في إحضاره . و قتله المنصور و تم له ما أراد من التخلص من نفوذ أبى مسلم بعدما كان له دور بارز في إنجاح الدعوة و محاربة خصومها. و كان أبى مسلم و هو يؤسس دعائم الدعوة يحفر قبره بيده في آن واحد

    ولابد من الذكر أنه حتى دون تلك الحادثة فإن الاحول والمشاعر بين الرجلين لم تكن علاقة حب وهو ما أوغر قلب المنصور على الخراساني

    فقد كان المنصور في حياة أخيه يتوقع أن يجله أبو مسلم و يقدم له الولاء و الطاعة، لكن أبو مسلم كان يتجه بهذا الإجلال و الولاء للإمام فقط .

    وعندما تلقى أبو مسلم خبر وفاة أبى العباس و استخلاف أبا جعفر كتب أبو مسلم لأبى جعفر يعزيه بوفاة أبى العباس و لم يهنئه بالخلافة.

    .وقال أبو مسلم الخراساني لأبى جعفر المنصور: أن عبدالجبار بن عبدالرحمن و صالح بن هيثم يعيباني فاحبسهما، فقال أبو جعفر: عبدالجبار على شرطي و كان على شرط أبى العباس من قبلي و صالح بن هيثم أخو أمير المؤمنين بالرضاعة فلم اكن لأحبسهما لظنك بهما، قال أبو مسلم: أراهما آثر عندك مني، فغضب أبو جعفر .

    هكذا كانت العلاقة بين الرجلين وهكذا كانت نهايتها، وليس نهاية الفتن والاخطار التي سيواجهها المنصور

     

    يد من حديد

     فتعاقب الثورات من ثورة "سنباد" المجوسي الى "قائده جمهور" الى صحوة الخوارج وهي ثورات لا تنتهي وفتن لا تنطفئ الى أن جاء أخطرها  وهي خروج محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على، وكان من أشراف بنى هاشم علما ومكانة، وكان يلقب بـ "النفس الزكية" فقد كان قبيل الدعوة العباسية أن اجتمع العلويون والعباسيين معًا وبايعوه أواخر الدولة الأموية، وكان من المبايعين "المنصور" نفسه، فلما تولى الخلافة لم يكن له هم إلا طلب محمد هذا خشية مطالبته بطاعة هؤلاء الذين بايعوه من قبل، وهنا خرج "محمد" النفس الزكية بالمدينة سنة 145هـ/763م، وبويع له فى كثير من الأمصار. وخرج أخوه "إبراهيم" بالبصرة، واجتمع معه كثير من الفقهاء، وغلب أتباعه على "فارس" و"واسط" و"الكوفة"، وشارك فى هذه الثورة كثير من الأتباع من كل الطوائف، حتى تمكن المنصور من القضاء عليها وقتل النفس الزكية كأكبر خطر كان يتهدده خاصة وانه ينافسه على الولاية الدينية وإمامة آل البيت.

    وبعث المنصور إلى "محمد النفس الزكية" يعرض عليه الأمن والأمان له ولأولاده وإخوته مع توفير ما يلزم له من المال، ويرد "محمد" بأن على المنصور نفسه أن يدخل فى طاعته هو؛ ليمنحه الأمان.

    وكانت المواجهة العسكرية هى الحل بعد فشل المكاتبات، واستطاعت جيوش أبى جعفر أن تهزم "النفس الزكية" بالمدينة وتقتله، وتقضى على أتباع إبراهيم فى قرية قريبة من الكوفة وتقتله.

     

     

     

    يا جوهرة الدنيا يا بغداد

     

    وبعيدا عن الثورات والدماء فقد راح المنصور يواصل ما بدأ به.. راح يبنى ويعمر بعد أن خَلا الجو، ودانت له البلاد والعباد، لقد فكر -منذ توليه- فى بناء عاصمة للدولة العباسية يضمن من خلالها السيطرة على دولته، وإرساء قواعدَ راسخة لها.

     

    فشرع فى بناء بغداد سنة 145هـ على الضفة الغربية لنهر دجلة عند أقرب نقطة بين دجلة والفرات، لتصبح ملتقى الطرق القادمة من الشام شمالا، ومن الصين شرقًا، ومن طوائف مصر، ومن الحجاز جنوبًا، إلى جانب موقعها العسكرى الخطير، فهى بين نهرى الفرات ودجلة، فلا وصول إليها إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطع الجسر وخربت القنطرة لم يتمكن معتدٍ من الوصول إليها، ولبغداد مزايا أخرى عديدة، أغرت المنصور بالإسراع فى بنائها، فراح أبو جعفر يأمر بإحضار الفعلة والصناع من بلاد العالم؛ ليحققوا نهضة، وليقيموا حضارة، وليصنعوا المستقبل لدولة العباسيين. وكان مِنْ بين مَنْ استعان بهم المنصور فى ضبط العمل ببغداد: الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان.

    ووضع المنصور بنفسه أول لبنة .

    وكان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان هو القائم على بناء المدينة والمتولى لضرب اللبن. وأصبحت بغداد عاصمة لها شأنها بين عواصم العالم.

    وكانت بغداد تتمتع بالطرق الواسعة النظيفة التى تمتد إليها المياه من فروع نهر دجلة فى قنوات مخصوصة تمتد بالشوارع صيفًا وشتاءً، وكانت شوارعها تكنس كل يوم، ويحمل ترابها خارجها، وعيَّن المنصور على أبوابها جندًا يحفظون الأمن بها، فصانها وحفظ لها نظامها ونظافتها من الداخل، وقد فرغ من بناء بغداد وسورها وأسواقها وخندقها بعد 4 سنوات أى سنة 149هـ/ 766م.

    وأمام كثرة النازحين إلى عاصمة الخلافة أجمل مدن العالم آنذاك، كان لابد أن يهتمَّ المنصور ببناء سوق يضم أصحاب الصناعات والتجار والباعة. وفعلا بنيت "الكرخ" سنة 157هـ/ 774م لتظل عاصمة الخلافة محتفظة بجمالها وسحرها وتألقها.

    وكانت الكرخ سوقًا نموذجية، فلكل تجارة سوق خاصة بها، ولم يبقَ إلا أن يبنى المنصور مسجدًا جامعًا يجتمعون فيه حتى لايدخلوا بغداد، فبنى للعامة جامعًا، وهو غير جامع المنصور الذى كان يلى القصر، وفى سنة 151هـ/ 768م يبنى المنصور مدينة أخرى لابنه المهدى على الضفة الشرقية لنهر دجلة وهى مدينة "الرصافة" ثم بنى "الرافقة" وكانت هاتان المدينتان صورة من بغداد.

     

    أعطى المنصور اهتمامًا بالغًا بجهة الشمال؛ فراح يأمر بإقامة التحصينات والرباطات على حدود بلاد الروم الأعداء التقليديين للدولة الإسلامية.

    وكانت الغزوات المتتابعة سببًا فى أن ملك الروم راح يطلب الصلح، ويقدم الجزية صاغرًا سنة 155هـ. ولا ننسى للمنصور حملته التأديبية على قبرص لقيام أهلها بمساعدة الروم، ونقضهم العهد الذى أخذوه على أنفسهم يوم أن فتح المسلمون قبرص.

    لقد ذهب الخليفة المنصور ليحج سنة 158هـ/ 775م، فمرض فى الطريق، وكان ابنه محمد "المهدى" قد خرج ليشيعه فى حجه، وكأنه كان يحس بقرب دنو أجله فأوصاه بإعطاء الجند والناس حقهم وأرزاقهم ومرتباتهم، وأن يحسن إلى الناس، ويحفظ الثغور، ويسدد دينًا كان عليه مقداره ثلاثمائة ألف درهم، كما أوصاه برعاية إخوته الصغار، وقبل أن يدخل مكة لقى ربه

     

     

    7/14/2008

    تزوير الوعي 2

     

    معارك الاعلام المرئي اليومية وتزوير الوعي العربي(2)

    اكذب ثم اكذب ثم اكذب.. إعادة خلق التقاليد

     

    penguins watching tv 

    محمد لافي "الجبريني"

    سجل التاريخ أن أحد أهم الأسلحة في كسب الحروب والمنازلة بمداها الطويل والقصير على حد سواء هي الاعلام، في الوقت الحاضر يبدو إلى أي حد بات هذا السلاح أساسا بعد غياب معظم الامم على سطح المعمورة عن قدرات المواجهة مقابل حضارة واحدة أثبتت حضورها بقوة السلاح والاقتصاد بشكل جلي، وعلمت وتعلمت الى أي مدى يمكن للسلاح الاعلامي من تكريس هذه السطوة وتأكيدها ونزع فرص بزوغ منافسين لها ووأد البيئة الحاضنة للثورة في حال وجدت

    ومن أشد هذه الامم تأثرا وتضررا من السلاح الثقافي بشقه الاعلامي كانت الامة العربية التي بات من نافلة القول التذكير بمدى اهميتها كجغرافيا وخطورتها كحضارة اذا تمكنت من الوصول الى الحد الادنى من اسباب المواجهة ضد حضارة التغول الغربي بقيادة الالة الامريكية

    وبالقياس الى الأهداف الإستراتيجية للحضارة المسيطرة فإن المهمة المركزية الثقافية تبدأ بإعادة انتاج الادراك والقناعات وتكسير الحواجز مع من يفترض منه ان يكون عدوا ماديا ومعنويا، أي اعادة تطبيع المجتمعات مع عادات وثقافات ومفاهيم وتقاليد كان ينظر لها بعدائية وكحالات شاذة فردية.

     

    اعتمدت سلسلة من وسائل المعرفة العربية اللسان، العدائية التطبيعية المذهب على حجمها الهائل وكثافتها في الانتشار وسهولة وصولها الى اوسع نطاق من عامة الجماهير العربية بسبب نفوذها السياسي والاقتصادي وتماهيها مع تتطلبه البراغماتية السياسية لأسباب البقاء، لتنجح في زمن قياسي –لسبب ضعف المواجهة من قبل الاطراف القومية لذات الاسباب معكوسة- في تثقيف الجماهير وتنميط وسائل الادراك لديها وتحويل نفسها الى المصدر الاساسي لإستقاء المعرفة التي تم تحديد موعيتها مسبقا حين تم تهميش أي وسائل تكفل الحرية للفرد في البحث والبيان والتحليل وتكريس انواع ووسائل تحدد خياراته فيما ينبغي له الرضوخ اليه.

     

    لم يغب عن أذهان التيار المعادي للأمة فلسفة البزوغ الحضاري التي من النادر اندحارها في أالامم العريقة على شاكلة الامة العربية خاصة اهتماماتها القومية ذات الصدى المباشر، وما يشبهه من هموم لا تذوي لم تثبتها القضية العربية في فلسطين والعراق والسودان في مواجهة الاعداء التاريخيين وحسب بل أثبتت نفسها في حالات كان يفترض أن الفردية قد قوضتها نهائيا كانتفاضات الجوع والفقر ومواجهة الظلم التي كانت شراراتها تنطلق في بلد لتمتد في اقليم آخر بغض النظر عن مدى اتساعها او تأثيرها لكن العبرة في ظل السطوة العالية للتيار المعدي تكمن في القدرة على التأثير والتأثر العربي دون دعاية وبأبسط حدث يلامس الشريان الرئيسي في الامة وهو أمر ربما تحتاج التيارات المعادية الى المليارات والسنوات الطوال من الجهود المضاعفة والكوادر التي لا تحصى لتنفيذ نوع مشابه له، على شاكلة ما يتم الايحاء له في تلك الوسائل والتي وان كان يبشر عدم الانصياع الجماهيري العام وتحولها الى حالة طبيعية لكنها شئنا أم ابينا غدت ظاهرة وحالة ملفتة تسترعي الانتباه والقلق الشديد في توسعها ومدى القدرات التي تملكها في الوسائل المعرفية المعادية لتبريرها وايجاد القبول لها اجتماعيا بعد أن اوشكت على تجاوز مسألة السماح بكونها مجال للنقاش من باب الدعوى للحوار والاستماع لوجهة النظر المقابلة، وذلك عبر الاسلوب الذي يختار فيه الجهاز المعرفي اطرفا يتمكن بسهولة من تسييرها ويصعد ويثبط طرف فيها وفق ما يريده وتفرضه عليه أصول لعبة الحوار والنقاش المتبادل ليصل في النهاية الى الهدف في تخزين وتثبيت النوع سواء في الوعي او اللاوعي وخلخلة ما كان بديهيا في الثقافة الجمعية للأمة

    المسلسلات.. هي الغذاء الرسمي للسيدة والفتاة العربية المنغلقة بحكم بقايا تقاليد بالبقاء أطول فترة في المنزل، والهدف هو نزع ما تبقى ممن يمارسن او "يخضعن" لهذا التقليد المفروض للانطلاق الى حيث ترغبهن تلك الرسائل الغير مواجهة في المسلسل، وهن لسن المستهدفات فحسب وان كن الهدف الأساسي فإلى جانبهن سيقبع الشاب والرجل والفتى الذين لسبب ما سيكونون متواجدين لإستقبال الضخ ذاته ولكن لتخزين ذهنيات آخرى تم طبخها ومراعاة كونها سوف تلامس خلايا تذوق موجدة في مسامهم الدماغية اللاوعية غير الموجودة لدى العقل الانثوي

    لقد تجاوز التيار الاعلامي المعادي مراحل عديدة عبر وسيلة المسلسلات المرتبطة دائما بباقي برامج التأثيير بلا شك، خاصة بعد تجاوزه مرحلة تكسير الجدر التقليدية الخارجية لينفذ الى أعمق أعماقها وينفلش ما فيه دون استثناء فتغدو الثوابت التقليدية مشاعا يتناولها الجميع فيناقش الجاهل فيها العالم ويحاجج الصعلوك عليها الثقافة وتغدو الخيانة وجهة نظر،والعهر ثابتا في اصول الحرية لا تنهض الامة دون فتح الباب لكل الوانها، والاغتصاب مسألة ذات أبعاد مسؤل عنها التربية الاخلاقية التقليدية،وهيليست الا امثلة تدور جميعها في فلك التدمير الذاتي، والتبرير المعنوي لكل ممارسة شاذة،يتم التعبير عنها في وطرحها لاحقا في برامج الحوار المفتوح أمام "الرويبضة" ذاته..

    تزوير الوعي

    الحرب الثقافية..

    معارك الإعلام المرئي اليومية وتزوير الوعي العربي(1)

    Ack! he's eating my brains!

     

     

     

    محمد لافي "الجبريني"

    من نافلة القول الحديث عن دور الاعلام الحديث المركزي في تكوين وجهات النظر والصياغة إلى حد بعيد آراء الجمهور، هو ما استهلك الملايين من الاوراق والمساحات للحديث عنه، وبالتأكيد فإن مقاومة هذا النوع من السيطرة المركزة في أياد الاقطاب الرئيسية المحركة لم ترتق الى درجة الممانعة حتى، على علم الجميع بالبعد الاستراتيجي الذي تجاوز بعد عشرات السنوات من انتشار هذا النوع من السيطرة الفكرية الى تكوين الشخصية الكيانية واعادة صياغة المثل والقيم وتحريف التراكمات الباطنية عبر عملية بنيوية استهدفت الوصول الى نتائجها على المدى الطويل، وخصوصا الاجيال التالية كأهم قائمة اهدافها الاستراتيجية، رغم أن سيطرتها الواقعية على الاجيال تبدو مرعبة فإن النتيجة النهائية لعملية البناء الذهني العاطفي لم تصل بعد الى أكثر تجلياتها رعبا حتى وفق المفهوم السائد حاليا على ضحالته مقارنة بأزمنة قريبة خلت، والحديث في هذا البند لن يختصر الآلاف من المؤلفات حول الموضوع واعتماده على كل العلوم الانسانية للوصل الى نتائجه المبتغاة، وهي النتائج التي تضمن السيطرة للقوى الكبرى على الشعوب الادنى عبر تحويلها الى ماهو أدنى وأكثر دنوا وتشرذما وانحلالا وتفككا، وهي النتائج التي ضمنها السواد الاعظم من علماء الاجتماع من مختلف الحضارات والاجيل منذ سجل التاريخ مآثر أول أشهرهم أفلاطون ومر بابن خلدون ووصل الى من يذوون الان أمام اضمحلال الكتاب، وهو ان انهيار الامم يبدأ بتسلسل الانهيارات الاخلاقية من قمة هرمها الى اخمص قاعدتها الرثة وحجر الزاوية في هذا الانهيار النخب الثقافية التي تشكل نخب السياسيين وعلماء الدين ورجال المال والمصالح الحيوية

    ولكن لأكون مختصرا فإن الحالة التي شكلت حافزا جديدا للحديث مرة أخرى عن هذا الموضوع، هي حالة الهوس الغير النادرة التي تتملك مساحة هائلة من بشرة الشعب العربي وتسري بأثرها كما يسيح على الجسد أثر الجرب الذي ضمن غياب الدواء أمام انظار صاحب التجربة، وهي الحالات التي تفتعلها الاجهزة المسؤولة عن تحديد وجهة الميديا التكتيكية والاستراتيجية.

    وكماانسحب الحال على موضة برامج تلفزيون الواقع من قبل بثلة من البرامج التي كان لمعظم التلفزيونات ذات الاجندة المشبوهة عرس فيه كانت جملة أهدافها ترتكز على تغييب مشاعر المسؤولية الجمعية الى المسؤولية الفردية وتكريس الابعاد الفئوية الضيقة واهانة الشعور الوطني حتى يصبح أكثر ابتعادا عن الهم الجدي الى هموم اقل ما يقال عنها التفاهة، وهي تعزف على وتر التبرير الاخلاقي الذاتي نحو الالتزام الوطني الذي بات ينحصر بالمؤازرة التلفونية عوضا عن الابتزاز المالي الواضح، ثم سريان موضة أشكال البرامج الاجتماعية او ماتسمى الانسانية بعد اضفاء صبغة من نوع التكافل العربي، التي تطرح أحيانا من باب التعمية قضايا ذات صلة بالهم الأممي العام لكن بطريقة أكثر علمية ودراية باسلوب جرده دائما من الهم العام الى الحالة الفردية، فهي عوضا عن عزفها على الوتر القومي الذي تعلم انها لم تنجح على اجتثاثه رغم كل محاولتها بعد، فانها تسع عمليا الى استغلاله وتشويهه وتضييق الخناق عليه ضمن دائرة "المشكلة الانسانية" التي تبحث عن آراء وربما مساهمات المتابعين واستدرار دموعهم على مشكلة عامة لكنها تطرح في اضيق نطاق فردي، ولعلها هنا كفائدة أخرى ترجوها هذه الوسائل ذاتها التي تروج الى الانهيار الاخلاقي وهو اجتذاب رويدا رويدا شريحة أخرى من المتابعين الذين بدورهم ايضا يبحثون عن ذات التبرير الاخلاقي الذاتي.

    هذه كلها لا تنفي الحالة الضخ اليومي الساعاتي الدقائقي حتى التي لا تضيع ثانية واحدة من ساعات بثها المكلفة، عبر مختلف انواع البرامج والتي أساسها المسلسلات اليومية، برامج الاطفال و نشرات الاخبار، لضمان التمكن المطلق من وعي ولا وعي المتلقي الذي لن يكتشف أنه قد حمل الى ارشيفه الدماغي كما هائلا من الاشارات والرموز والصور ثم بثها اليه باتقان مذهل، ليقوم دماغه بترتيبها لاحقا  وتخزينها كبداهات تصبح مرجعيته العاطفية المنطقية لصياغة مواقفه وآراءه من حيث لا يدري او حتى أنه لم يفكر من اين قد يكون استسقى مثل هذه الافكار..

     

    9/19/2007

    haed of aworld

     

     

     

    "سقف العالم" أين صنع؟

    الرسائل الايديولوجية للعمل، وصناعة الشاهد من التاريخ

     

    محمد لافي "الجبريني"

       

    بدأ الموسم الرمضاني لهذا العام بعمل مهم، تم تسليط الاضواء عليه، وعلى اسم مخرجه الاردني من اصل شركسي والمقيم بسوريا، ألا وهو سقف العالم.

    العمل تم الترويج له منذ أشهر عديدة على أنه الرد الحضاري الامثل على الخلفيات التي تشكلت لدى الجماهير الغربية عن الاسلام ونبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- التي تم وصمته ب"القاتل" و"اللاعقلاني" الى ما هنالك من صفات يتنزه عنها الرسول الاكرم، جاءت على أكثر من لسان غربي، كان أبرزهم الراعي الاكبر للكنائس الغربية، بابا الفاتيكان (بنديكت السادس عشر)، وهي الاحداث والافكار المسبقة التي فسرها المراقبون على انها ما كان وراء الاعمال الكاريكاتورية التي جائت تحت عنوان السخرية من النبي العربي محمد "ص".

     

    ما هذه الرائحة؟

    هذا ما روج له القائمون على هذا العمل، فيما يمكن الادعاء أن هناك سببا لا يقل إلحاحا، بل لعله يمكننا الادعاء انه الاساس، وإن أغفل اظهاره عن عمد في الدعاية للعمل كان لسبب وجيه من الناحية العلمية ومنهجية التصاعد في التسلسل العلمي للاقناع، وهو أن الهدف هو العقل اللاواعي الجماهيري العربي، وهو ما نخصص قرائتنا الاولية له هذه المرة.

     

    منذ الحلقات الاولى وقياسا على ما كان قد قيل، خاصة وأن مخرجه الفذ نجدت أنزور وصل في درجة مدحه للعمل الى وصفه ب"من سيحشد وراءه من المعجبين مختلف الشرائح العربية -بما في ذلك المتدينين".  ولا أذكر إن قال حقا "المتشددين"! وهو يركز على مخاطبتهم في ذلك اللقاء الذي اجرته محطة "ال بي سي" اللبنانية، المعروف خلفياتها الاديولوجية –كتائبي ماروني-، ومصادرها التمويلية –خليجية سعودية-  في خضم حملتها الترويجية الغير عادية لمسلسل سوري- في ذات الوقت الذي تمارس فيه معظم الفضائيات العربية حصارا فنيا على الاعمال السورية في سياق المعارك الاخرى التي تجري في الساحة السياسية والثقافية بين مجموع الدول التي توصف بالمعتدلة ضد سوريا.

     

    نقول. منذ الحلقات الاولى أمكن ببساطة الاستنتاج أن المستهدف ليس بالدرجة الاساس هم الجمهور الغربي الذي قيل أن العمل ستتم ترجمته ليكون مفهوما لديهم، ولا المتدينيين الاسلاميين، ولا حتى العلمانيين العرب، فالمستهدف هم ما بين وبين، هؤلاء وهؤلاء، إنهم العامة الذين يشكلون السواد الاعظم من الجمهور العربي الغير مؤدلج والمتأثر بوسائل الاعلام خصوصا التلفاز، واللا منتمي، والتائه بين ولائه الغريزي للأنظمة، وبين التعاطف الباطن مع المقاومة والظلم، ولؤلائك الدهماء الذين يجدون ضالتهم في أي عمل ثقافي او فني يؤازر تملقهم للخطاب الرسمي العربي، والاستشهاد به كمادة ثقافية باذخة أمام الاديولوجيات المضادة للأفكار المعلبة.

     

    هذا هو الامر الذي يقوم به ببساطة "سقف العالم" وؤلائك اهدافه، فغني عن القول أن أي متدين إسلامي سيعاف متابعة العمل -اذا افترضنا أن الاسلاميين يكترثون كثيرا بالتلفزيون- لدى أول مشاهد هذا المسلسل التي ستكون زاخرة بالمشاهد الساخنة مقارنة بمسلسل صنع خصيصا ليبث في شهر رمضان.

     

     ولا العلمانيين سيكترثون كثيرا لشيء لا يضيف جديدا لما يروجون له ليل نهار.

     وبالتأكيد فالجمهور الغربي لن ينتظر عملا تلفزيونيا عربيا ليغير قناعاته أو حتى ليصمد برأيه أمام البيئة المعجونة على رفض كل ما هو اسلامي او عربي وحتى عالم ثالثي، وتمجيد كل ما يمت للحضارة الغربية بصلة سواء كانت الحادا او تدينا مسيحيا كاثولوكيا بروتستنتيا.

     

    رسائل كثيفة، بطن متخم عقل مسترخ..!

    فبعيدا عن صيغة أعمال لأنزور والمؤسسات التمويلية التي يتبعها على شاكلة  "الحور العين" و"المارقون" التي هاجمت بشكل مباشر التيار الاسلامي المقاتل ولم تحقق النجاح المرجو منها بسبب فجاجتها للطرح، كان لا بد من عمل يركب موجة الغيرة على (رموز) الامة، ويستغل الظرف بإمكاناته المتفوقة، يركبه ويوجهه الى الهدف التي يريدها.

     

    السلطان المتنور

                

     

    أول الرسائل المستقاة من العمل، أن الأمة يجب أن تدافع عن (رموزها) بطريقة (حضارية) بالفن مثل هذا المسلسل، بالموسيقى مثل سيمفونية "الرسول الاعظم" الايرانية، بالشعر والمظاهرات السلمية وأقوال الزعماء، بعيدا عن (الغوغائية) مثل المقاطعة وحرق الاعلام والدعوة بالموت!

     

    وتعقيبا على هذه الرسالة فإن شرحها يحملنا الى ما يجري حقا.. لقد تم تصوير المشهد كما هو آت.. الخليفة أمير المؤمنين المقتدر بأمر الله رجل متنور، يحب العلماء والادباء، ويدير دولته (بحكمة) وكثير من  الحب وسعة الصدر. ولأنه إنسان فله الحق أن يرتاح أو يلهو قليلا، وهكذا نجده كل مساء، على الأغلب في كل جلسة يظهر فيها، يحتسي الخمر من على عرشه الموشى بالذهب المغطى بالديباج، وفي صورة مقتنصة من مشاهد ألف ليلة وليلة.. تدور حوله الجواري والخصيان والغلمان، منهم من يرقص، ومن يسكب الخمر ومن يلقي الشعر ومن يضرب على القيان، وفي كل هذه الاجواء الماجنة فإن حضارته تصل الى بلاد البلغار شمالا وبلاد الافغان شرقا ، مع اغفال واضح الى للسيطرة الاستعمارية التي كان يمارسها الاتراك من بعد الفرس على تلك الدولة المتهالكة التي ليس منها سوى ذاك الخليفة الماجن.

     

    الفارس الامرد

    الرسالة التالية.. علماء الامة وأشهر من فيهم هنا أحمد ابن فضلان  الرحالة الشاعر والفارس الذي شهدت له كتب التاريخ بمشاركاته في حملات من أقصى الشرق الى اقصى الغرب، حين كان الساعد الايمن للقائد الفاتح محمد بن سليمان، والسفير المميز في اسفاره التي كانت اشهرها رحلته الى بلاد البلغار مندوبا عن الخليفة الى ملك الصقالبة، الذي كان أصلا بإنتظار مندوب من الخليفة ليشهر اسلامه بعد أن كانت وصلتهم سير الخلفاء الراشدين وقصة الاسلام.. وثم بلاد الاسكندناف، وليتم في العمل إستغلال قصة حبه العادية والتي كانت كحادثة عابرة في تاريخه الحافل تم تصويره من خلالها كماجن إستهلك معظم وجوده في حلقات العمل الاولى لتكريس هذه النظرة عنه، عاشق ولهان، يسترق السويعات ليتبادل القبل والغرام مع تلك المرأة التي كانت السبب في قيامه بواحدة من أهم الرحلات في التاريخ الانساني.

     

    الانهيار "نهضة"!

    الرسالة الثالثة.. الامة العربية والاسلامية تم تصويرها كأنها كانت في أوج عصرها الذهبي، هذا العصر الذي تم الاصرار على مرادفته لأجواء اللهو والعبث وإنتشار الحانات وما يمكن تسميته بمصطلحات أيامنا بالحرية الشخصية، مع إغفال صارخ للأوضاع السياسية التي كانت سائدة أنذاك في الدولة العربية الساقطة بعد سقوط الامويين، من قلاقل خطيرة في مختلف انحاء الدولة المفككة، ومن استعمار ثقافي سياسي واجتماعي بدأ يفلت من زمام المستعمر السابق "الفرس" لصالح المستعمر الحالي ، السلاجقة الاتراك، عداك عن المعارك الطاحنة في ذلك الوقت بين الشيعة، السنة، الاسماعليين، القرامطة، والمشرق الاسلامي مع المغرب الاسلامي، وبين هذا كله مع الصليبيين. كل تلك الاحداث التي توشك على الالقاء بالدولة العباسية الى الانهيار البائس.

     

    الصليب الاسلامي

    الرسالة الرابعة والاهم وربما تلك التي تلخص كل ما هدف اليه العمل بأبعاده الثقافية والايديولوجية، إلغاء فكرة أن الاسلام هو منهج حياة وطريقة حكم من أذهان الجمهور العربي بناء على ماسبق وغيره، وتحويل غيرة هذه الجماهير الدينية الى غيرة رمزية منطلقها الابتدائي والنهائي هو الدفاع عن قدسية "الرمز" لا عن رسالته، فنبينا محمد وعبر الحوارات التي كانت تجري في بداية العمل بين الاكاديمية العربية وزملائها الغربيين، والكلمات المقتبسة عن بعض الزعماء والمفكرين العالميين من غير المسلمين، التي تمدح النبي عليه الصلاة والسلام، تم وضعها جميعا في سياق الدعوة الى احترام الرجل الرمز-رسالة خارجها للغربيين ومضمونها لتلبية رغبات المشاهد العربي- والبعد عن الاساءة لمشاعر العرب والمسلمين بهذه الطريقة.

     

     إذن فالنبي حامل الرسالة والمعلم يغدو رمزا، لا معلما وصاحب رسالة خالدة، شيء يشبه الى حد ما المسيح لدى مذهب ما يسمى "بالمسيحيين المتنورين" او العقلانيين الذي ساد بين النخب المثقفة والسياسية ابان عصر التنوير الاوروبي، فيوضع النبي في أيقونة رمزية ويصلب كشيء روحي بعيدا عن تعاليمه الاساسية -الاسلام- وهو ما يجري في تناغم مع ما سبق وبإمكانات مذهلة يحسد عليها اصحاب العمل، الذين يريدون لنا أن نخلص الى نتيجة مفادها أن الاسلام ليس بالضرورة أسلوب حياة، بل هو مجرد حب للنبي على أساس كونه رمزا أيقونيا أو أكثر قليلا.. قائدا تاريخيا يجله العظماء ويمكن الفخر به على صفحات التاريخ، فيما أن الحياة الغير ملتزمة كتلك التي عاشها الخليفة العباسي هي الحياة المثلي البعيدة عن التزمت والمتحررة والتي تستوعب الجميع تحت سقف الدولة (الديمقراطية ربما)!

     

    الغرب أنصفنا أكثر

    إن سقف العالم الذي استخدم ذات القصة التي لجئ اليها الكاتب الانجليزي Michael Crichton في روايته Eaters of the Dead التي اقتبس عنها فيلم الفارس الثالث عشر The 13th Warrior لأنتونيو بانديراس  Antonio Banderas  تبدو حتى مع هذا الكم من التقنية والمحترفين القادمين من امريكا بريطانيا وإيران وغيرها كل مختص في مجاله ضعيفة الحال من ناحية الفكرة لصالح الفيلم انف الذكر، الذي إستطاع بكل سلاسة أن يستحوذ على إعجاب كل من شاهده، عبر القصة التي حملها بكل تجرد عن ذاك العربي القادم من الشرق لينهض بالامة المتوحشة لتكفي قصته في تلك البلاد للإيحاء عن الخلفية التي انطلق منها،والتي أراد سقف العالم ان يصورها بطريقته لتتماشي مع رسائله الموجهه.

    ويبق فقط أن نتابع بقية العمل حتى نرى الى اي مدى سوف تصل تلك الرسائل حقا.

     

    6/12/2007

    borno tv

    إيقاظ الشهوة ومنهجتها في  الاعلام العربي

    تكثيف الخيال الجنسي لصناعة الجاسوس أو المستهلك المثالي

    تغييب السلطة الأبوية وإستغلال النظام الامومي والتبرير بالأخلاق

                                                         

    محمد لافي "الجبريني"

     

    في كل القصص العريقة عن العشق والرومانسية ترتمي الفتاة الحزينة على فراشها تخترق بنظراتها سقف الغرفة الى الغيوم تهيم بينها فرحا بفارس احلام سينتشلها في حياة جديدة تزخر بالحب والفرح، ربما تكد كما سيكد الشاب في الشوارع والازقة والساحات يقيس كل منهما الاخر بحثا عن حب مفقود، ترسمه قبل أن تراه، ويعشقها قبل ان يجدها، ويبقى الهاجس مشتعلا في خيالاتهم.

    يقول حكيم قديم "ما يعطي القيمة للشيء مدة إنتظارك له" ونحن لن نحصر الموضوع بهذه الزاوية الحالمة، بعد ان تجاوزتها التجارة الاستغلالية بمراحل حرفت فيها المشاعر والقيم وسلعت كل شيء محرم من الجسد الى الخيال وحتى المستقبل.

    الجنس المحرم، الفكر اللوطي، والفتاة السحاقية، والاستغلال الجنسي للأطفال حتى، إقتحم بكل وقاحة يومياتنا، متجاوزا حاجز التحفيز اللاشعوري الى المباشرة الفجة، التي لم تخش مواجهة القيم الراسخة في مجتمع محافظ بالفطرة والاكتساب كالمجتمع العربي، رغم كل ما قد بدو منه من نزوات فجة، وإنهيارات ثقافية، بل وحتى استجلاب العهر لإمتاع غرائزنا الذكورية، إستفتحتها طلائع مشبوهة، كان أخرها مرحلة الفضائيات الغرائزية التي تستغل الجنس والموت في تشويه خيالاتنا وتعذيب نفسيتنا لتحقيق الربح الفاحش.

                                                         

     

    ثسعير المشاعر

    تحدثنا كثيرا عن مشاريع الفضائيات الغنائية، التي أجزم أنها ليست أكثر من حلقة ضمن سلسلة التدرج الهاجم على الثقافة والوعي العربي، الذي بالاضافة الى نتائجه الكارثية على الحاضر و المستقبل الإجتماعي، فهو أولا وأخيرا لا يهدف الا الى الربح، والأخلاق عموما لا تحقق الربح كما علمتنا الرأسمالية المتوحشة وحكم الشركات الامبريالية الجديدة، وبذلك لا بد من تحطيمها وتصنيفها ضمن الرجعية الأصولية، وتكريس التمرد عليها كثورة وتطور طبيعي للعصر الصناعي، الذي بات كل شيء فيه آليا وإفتراضيا حتى ممارسة الجنس والحب.

     

    التلصص الجنسي وصناعة الجواسيس

    قبل سنوات كنت قد خضت في ذات السياق موضوعا غاضبا عن تدشين أول أسواق النخاسة العلنية، منذ عصر الجواري، لكن تلك المرة كان على أساس أنهن حرائر يبحثن عن السترة والزواج الحلال، يتسابقن لنيل الثمن، فيلا وآلاف من الدولارات وغيرها من الهدايا، تحت عنوان مسابقة زواج – بعيدا عن الاعتقاد بالمصادفة، كان إسم البرنامج "بنات عالهوا سوا" ولاحظ الوضوح الفج في العنوان الذي تجاهلنا رمزيته المباشرة لرفضنا الاعتراف بوقاحة الرسالة، رغم التلذذ الذي سيبرر أي إعتقاد لا شعوري عن ممارسة الجنس مع بنات الهوى-، تعيش فيها ثلة من الفتيات من مختلف الاقطار العربية تحت تسليط الكاميرا على مدار اليوم على غرار ستار أكاديمي والأخ الاكبر والوادي وغيرها، يراقبهن ملايين المشاهدين –الذين يتم استغلال رغباتهم المكبوتة بالتلصص، على حيات وأسرار فتيات من ثقب الباب الذي بات بحجم التلفزيون، وربما أيضا تهيئة جواسيس محتملين يتم الإستفادة من تقبلهم اللاشعوري لهذه الفكرة لاحقا- ليصوت كل مشاهد على حدة للفتاة التي تعجبه أكثر –مرة أخرى يتم إستغلال وعصر الانسان الى أقصى حد ممكن، بمداعبة وإستفزاز خيالاته، ليكرسها في مفاضلة الفتيات وفق رغباته وآراءه –الممنهجة مسبقا وفق حاجات الشركات التسويقية- الجنسية، الاقليمية، الاجتماعية، الثقافية، السياسية وحتى الدينية- حتى يتم غربلتهن على مدى أشهر، وهنا بعد كل هذا الشحن، يطلب ممن يرغب بأي عروس التقدم بطلب مسجل على شريط فيديو، وفي حال وافقت الفائزة على احدهم يتم الزواج السعيد.

     

    التمادي بالصمت

    بعد عرض البرنامج بنسخته الاولى، توقف الا أنه عاد بعد سنوات بأكثر من شكل وبرعاية أكثر من قناة، وبصيغ جديدة –هي بلا شك ليست نتيجة إبداع العقل العربي بل استنساخ عن القنوات الفرنسية والانجليزية والامريكية- تنافست عليها قنوات مثل "lbs, mbc " وبنسب في الشعبية متباينة، حتى نجحت آخرها بفكرة برنامجها الذي يبدو أكثر صلفا وتجريحا لقيمة الانسان جسديا ومعنويا، وتحويله بإرادته الغير حرة الى سلعة لا حول لها ولا قوة في تقيم ذاتها المسلوبة. فمن يعطيها السعر والقيمة هم أصحاب ذلك المشروع، حسب ما تقتضيه الاستراتيجيا التسويقية، متوسطة الامد، التي نجحت بشكل مذهل ومن أول حلقاتها في الاستحواذ على واحدة من اكبر نسب المشاهدة بين برامج الفضائيات المستعربة.

                                                      

     

    إستمناء الخيال

     وعلى خلاف البرامج السابقة فإن البرنامج الجديد يعتمد على نظام المسابقات السريعة، تحديد الفائز والخاسر في نفس الحلقة، ضمن علاقة تبادلية في كل أسبوع بين الذكور والاناث، أحدهم يكون السلعة التي تروج عن نفسها دون إبراز صورتها ضمن مجموعة أخرى تتكون من أربع أفراد يتنافسون على إغواء الزبون، والآخر يكون الزبون الذي يساوم ويفاوض ويسأل عن مميزاتها، وهي وسيلة تقنية قديمة معروفة لإستنزاف الرغبات الخيالية وإستمناء الشهوة بالخيال قبل الوصول الى الإلحاح الواضح للمباشرة، وهي ذروة البرنامج حين يستقر رأي الزبون على السلعة، فينكشف الحجاب عنها ليقرر إن كان ستتم الصفقة أم لا.

     

    تعريف القيم والأخلاق وفق حاجات السوق

    الفكرة الرئيسية هنا ليست بالتأكيد جمع رأسين بالحلال، فهذه الصيغة مجرد جملة ترويجية تشرعن الزنا. ففي نسخة أخرى على نفس القناة من ذات الفكرة ومن باب إضفاء شرعية السلطة الأمومية، يتم إستغلال طرف جديد في هذه اللعبة، وهي الام، التي يشترط وجودها برفقة الشاب إظهارا للمباركة، فيما لا يشترط الامر ذاته مع الفتاة، وهي علامة تستحق التوقف إذا ما قارنا مستوى تحكم العقل بالشاب، نسبة الى "المرأة، التي هي  العنصر الأقل عقلانية المستهدف للترويج العاطفي المستخدم بالتالي للضغط على الذكر المستهدف للترويج الجنسي"، وهي علاقة تبادلية تخدم الهدف الاساسي الذي يعطي الشرف والاخلاق صيغا شكلية تبرر لا شعوريا الرغبة بممارسة مثل هذا السلوك، وتحويلها –اي الاخلاق- الى مجرد مصطلحات تتفوه بها الفتاة –دون أدنى شعور بالكذب والنفاق- التي تجيب عن أسئلة على شاكلة لون ملابسها الداخلية، قياس صدريتها، رائحة أعضائها التناسلية، طولها، رأيها بالعلاقات خارج الزواج، ثم تقول بكل برود أعصاب انها تعتبر الاخلاق فوق كل اعتبار!

     

    للقومية سوقها أيضا

    وضمن سلسلة إيحائية لا تقل قذارة، فالبرنامج يتعمد مرة أخرى –كما جرت العادة- إستغلال الابعاد السياسية والاجتماعية، فإذا كانت اللبنانيات قد تم تكريس صورتهن الاعلامية والدعائية كرموز للجنس العربي، يستهدف المراهقين والمكبوتين لإختيار الصورة لفتاة أحلامهن التي تمثلها أقرب الفتيات المشاركات للتصويت لها، فإن تجييش المصريين مثلا يعتمد على التذكير بإستمرار أن المتسابقة الفلانية مصرية تحتاج الى تصويت من يملكون التلفونات من بين الثمانين مليون مصري. وكذلك الامر مع السورية المغربية.. الخ –ذات التكتيك المتبع في باقي المسابقات بمختلف أشكالها.

     

    تأكيد عقدة النقص وبيعها

    (الجامعي) المثال..

    وإستغلالا للفكرة العربية التي تعتبر الشهادة الجامعية مقياسا للثقافة –دون أن يعيدنا الامر الى الصورة التي تحولت اليها الجامعات العربية حاليا كبيوت تدريب على خوض العصر الاستهلاكي بكل تفاصيله التي ليس من بينها الثقافة او المعرفة الا وفق ما يحتاجه السوق- يتم تعمد الاشارة الى الشهادات الأكاديمية التي يملكها كل من الزبون والسلعة، وبالنظر الى  نسبة الامية العالية بين الشعوب العربية (التي تجاوزت السبعين مليون أمي مشكلة نصف عدد الأميين في العالم والأولى بعد أن تجاوزت القارة الأفريقية بذلك وفق تقارير لمنظمة "أليكسو" المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم) وحجم السعي للمعرفة الذي لا يتجاوز ست دقائق يستغلها العربي للقراءة كل عام خارج مناهجه المقررة، ومقدار الاعتماد المتصاعد الذي يفوق أي أمة في العالم على التلفزيون، يمكن ملاحظة حجم الشعور بالنقص مقارنة مع صاحب الشهادة الجامعية، وبالتالي إعتباره مثلا، أو قدوة تأخذ تصرفاتها وآرائها على محمل الجد.

     

    الحلف العالمي لتسليع البشرية

    إذن في نهاية هذا الموضوع –بطبيعة الحال ليس نهاية كل ما فيه- الى أي مدى يمكن أن نعتبر المؤسسات الاعلامية، بالتعاون مع الشركات الكبرى، والأجهزة الحكومية متورطة في تنميط الفكر العربي والتدرج به الى حد تشكيل الرؤية الاجتماعية ليس للأخلاق وحدها، بل للقيم والاهداف والطموح. وكل ذلك في سبيل أقصى ما يمكن من الربح، وتقاسم الفوائد كل حسب دوره، وهي التي تشبه الادوار التكاملية بين البيبسي والماكدونالدز، أو الجنرال موترز والحروب الامريكية.

    هل سنستمر في تجاهل القضية خلف ستار التسلية الليلية واللامبالاة المبطنة بالتبرير؟ ومع هذا التمادي اللامتناهي لإبتكار الاساليب والمباشرة في تسليع كل شي ماذا نتوقع ان يصل الامر اليه؟

    ربما فتح دكاكين لبيع الفتيات والشباب، أو فرض شروط لطلبات الوظائف تشتمل مقاييس للأثداء والقضبان؟

     إنها العودة قرونا الى التخلف، لكن هذه المرة بصيغة التقدم والحرية!

     

     

    6/6/2007

    al naksah

    الحزيرانيون لا يعرفون حزيران !
    ويهوه لم يسترح في اليوم السابع



    محمد لافي "الجبريني"

    لن نقبع كثيرا في طوايا الميثولوجيا اليهودية قبل الخوض في تفسير تداعيات اليوم السابع اليهودي،
    الذي جاء تتمة للحرب التي استهلكت من العصابات الصهيونية ستة أيام لتبني العالم الجديد برعاية
    "الإله" في واشنطن، الذي كانت أول تجلياته في تلك الحرب الحزيرانية بعد أفول شمس إمبراطورية
    الشمس حتى حدود عاصمة الضباب، التي مهدت لزرع البذرة وإنشاء الشجرة الشيطانية في عام 48،
    قبل أن تعلن إكمال الرسالة وتسلم الراية وتعود جنديا في القافلة الصليبية لإعادة بيت المقدس
    وأكنافه تحت رايات فرسان الهيكل الجدد.



    أما اليوم السابع فلم يكن يوم استراحة الرب الصهيوني في ذلك الحزيران المشبع بروائح الحمض
    المنبعثة من أفواه العرب المشرعة في وجه دهشة مصطنعة، لم تقنع الشهداء الذين عادة ما
    يستشهدون بكاتم الصوت لأنهم بكل بساطة رفعوا الصوت، ففي اليوم السابع الذي لا يزال ممتدا طوال
    أربعين حدادا بدأت الحرب الأكثر إبداعا وتأسيسا للولاية الغربية الجديدة على الشرق العربي، والتي
    كانت بدايتها الميدانية هي الوعي العربي، وتقسيمه إلى فرديات وإلغاء جمعيته، فاتخذت من الإدراك
    الحسي والعقل الباطن ساحتها بترويج فكرة أن الموضوع هو ليس أكثر من وعكة قد تصيب الجسم،
    أو طارئ عابر تم تجسيده بالنكسة التي باتت مرادفا لعدم الاكتراث على عكس ما رادف "النكبة"-
    المصطلح الآخر لتكريس فكرة الطارئ الزائل- لربما يمكنني مقارنته بقيام الإعلام المسطح بالترويج
    لمجزرة دير ياسين على حساب ما هو أفظع كما حصل في الدوايمة.



    لقد اقترحت الميثولوجيا اليهودية فكرة العمل لستة أيام، ومهما كانت النتائج – وحسب اليهودية فإن
    عمل الرب اقترن بخطايا عديدة ندم عنها لاحقا ولكن بقيت الستة أيام تعني العمل مهما ترتبت النتائج
    عليه- ليكون السبت هو يوم العطلة الذي "ارتاح فيه الرب ونزل الى المحيط يلعب مع الحيتان"،
    وفي صيغة توافقية لا يمكن أبدا اقتراح كونها بريئة، تتعلق بالصدفة، سمت الخلايا الإيديولوجية
    الصهيونية هزيمة حزيران 1967 بحرب الأيام الست التي أسفرت عن النتائج المنطقية، والحدود
    الأوسع لنواة الكيان الصهيوني الذي لم يكن بحاجة ميدانيا لأكثر من ذلك ليثبت المقاسات "
    السايكسبيكوية " القديمة على نهج التغيير القادم وفق النهج "الإلهي" الغربي الجديد الذي جاء
    لتصحيح أخطاء "الإله" القديم الذي "قبع يلعب مع حيتانه في أماكن أخرى من العالم"، وتذوي
    سايكس بيكو التي تمت بالسيطرة الاستعمارية المسلحة، لصالح الشرق الأوسط الكبير/ الجديد
    التي تجري بالسيطرة الاحلالية رغما عن أنف الوعي القومي الطبيعي في جملة ما تحمله من مواد
    في الحرب الثقافية المعلنة والمبطنة.

    ما هي حزيران؟



    لقد أدمن الفكر العربي منذ يوم شحذه الخطابي الأول الإيمان بسرعة الضوء، والمعجزة التي تفرزها
    الهرمونات الذكورية البدوية لتحقيق المعجزات، فآمن بأن النصر ليس إلا فورة غضب تعلو الوجه
    ولعلعة لسان أخرس، وان الهزيمة ليست إلا كبوة جواد أصيل، غدر به حجر في قارعة الصحراء،
    وإن كان قد فل، فقد أظهر رجولته إلا ثلثا، فأزال عن كاهله عبء القراءة والمراجعة التاريخية لأي
    امتحان، أو لنقل نكسة أو نكبة- على اعتبار أنها قدر مكتوب ليس منه مهرب، واتهم الهزيمة
    بالانتصار الذي رد العدو على عقبيه عن أبواب العواصم الحمراء في شرقي المتوسط وجنوبه.



    وبالعودة الى الآثار التلمودية في اليوم السابع الذي لم ينته حتى الآن، وظل يوم العمل فيه مرهونا
    بتجليات المقاومة التي تعدت كونها جيوبا معزولة لتتمدد لاحقا أفقيا، وإن كانت تمترست في قلاعها
    الأخيرة – والأولى بالضرورة - كمقاومة ميدانية، فإنها عادت واشتعلت في الوجدان الجمعي القومي
    على شكل حركة هجوم على المنشآت الإدراكية والباطنية التغريبية في العقلية العربية، فإننا نكتشف
    حضورا أكثر قسوة وتركيبية في حياتنا لما بعد حزيران، بإدخالنا لأنفسنا في متاهة الحل العالمي –
    في الوقوف على أبواب يهوه الأمريكي- دون المرور بتدرجاتها المنطقية والأكثر خصوصية ضمن
    إطارها القومي والثقافي. فكما أفرزت التقارير الإخبارية - التي تلاحق المناسبات من ناحية
    استثمارية، من مصلحتها تغييب الايدولوجيا المبدئية- فإن نسبة مفرطة في مأساويتها من الشباب
    العربي ممن ولدوا قبل النكسة وبعدها لا يعرفون عنها إلا ما تعرفه الببغاء عن اللغة. لا يمكن
    تسميتها إلا بالطامة الثقافية والتشويه المتعمد للوعي الجمعي العربي، فإجابة أكثر من شاب ورجل
    وكهل بكلمة لا أدري عن معلوماته عن حرب حزيران كما بثت فضائية الجزيرة، تعني تماما أنهم
    خضعوا لحملة غسيل شامل للأدمغة عبر المناهج الدراسية ابتداء -التي غدت وسيلة المعرفة الوحيدة
    عربيا- ومن ثم في أولويات الاهتمام المعرفي التي تبدأ بلون شعر المتعرية الفلانية ولا تنتهي بنتيجة
    المباراة العلانية، في نقاط لن يتدخل فيها الهم القومي الكبير إلا بمعجزة أبوية أو ربما فطرية.

    كل ذلك كان اليوم السابع، اليوم الذي ليست أهم أسلحته الصواريخ والرصاص، إنما الموسيقى
    الضوضائية، الأفلام الخلاعية وثقافة ما يشبه "بنات الرياض" في هجوم على الوعي العربي، قبل
    مهاجمة آخر التحصينات الصامدة عبر الإعلانات والقصف الثقافي المكثف، بل والحديث المليء
    بالإيحاءات حتى في القضايا الكبير وربما تبنيها أيضا، لمن لا زال من بين اهتماماته فكرة الأمة
    الكبيرة، والثقافة الموحدة، التي تفرز حالة قلق وعدم ثبات في العقل الباطن المستثمر دائما بحالات
    الملل الإخباري، المتعمد.

    لتترفع المقاومة عن الجدل العقيم



    إن الهزيمة الثقافية بعد حزيران هي فعلا أقسى ما يقاسيه العرب على مدى العقود الأربعة، الذي
    بلغ ذروته بالنخب التي باتت عبارة عن أبواق ببغائية تردد الإشاعة الغربية، وهي تظن أنها تنتج خيرا،
    وإن كانت من أبرز التهم لأصحاب حزيران –كما التهمة للراحل جمال عبد الناصر- تأجيجهم للشعور
    والارتقاء به الى أقصى ذرواته حتى حطمته الآلة الصهيونية دعائيا وميدانيا، فإن الذكرى تبقى معلقة
    أن لكل هزيمة إفرازات رافضة، ممانعة تفعل فعل أجهزة المناعة، حتى تتعملق على ذاتها وتقاوم
    الفيروس، إلا أن القلق يبق كما هو من استمرار تلويث الجسم الثقافي العربي بفيروسات الايدز
    الثقافي، لتحطيم المناعة وهو ما يبرر ربما في مراحل قادمة الانغلاق الحديدي للمقاومة في مواجهة
    الجدل العقيم مع قوى التنظير الببغائية.

    فهل بعد أربعين الحداد الحزيران، تشتعل مناعتنا، أم يستمر رقودنا على سرير موت المناعة
    المكتسبة بانتظار رصاصة الرحمة.
    4/23/2007

    الحرب الباردة على الاسلام ج2 -النجوم الشعبية

     

    الحرب الباردة الثقافية- النجوم الشعبية "ج2"

    الاسلحة الثقافية الموجهة وأساليب الهجوم

    هل يرتكب عمرو خالد ما مات أوريل كمدا بسببه؟

     

    محمد لافي "الجبريني"

     

    تحدثنا في الجزء الاول تعقيبا على تقرير مركز "راند" للأبحاث عن صيغة الحرب الباردة الثقافية الموجهة ضد المسلمين، ضمن نظرة مقاربة مع الحرب التي كانت إبان وجود الكتلة الشيوعية، واليوم نكمل الحديث مع عقد مقارنة أخرى عبر أمثلة شكلت بإرادتها أو دون علمها – أمر لا نجزم به- وسيلة مهمة في الاياد الاستراتيجية لشن الضربات الثقافية.

     

    مقدمة

    لا أعتقد ان هناك وجه للشبه الكبير بينهما جعلني اتذكر الروائي الانجليزي جورج اوريل حين بدأت ملامح التلفزيوني "عمرو خالد" تتضح لدى شريحة اكبر من المثقفين والجمهور الشعبي له، بعد ان وصم كل منتقد له او شاك قبل سنوات بالحسود، او المعادي للدعوى الاسلامية، او بتلك التهمة المضحكة التي تتحدث عن كون المؤامرة الامبريالية الصهيونية التي تتعرض لها امتنا لا تعدو الا نظرية في عقول أصحابها.

    الا ان ماجعلني اربط بين الاثنين هو الدور الذي أداه ويؤديه كل منهما بعلم او دونه في الحرب الثقافية، والانجازات التي قدماها لصالح الطرف الاخر في هذه الحرب بما عجز عن تحقيقها اساطينهم وملياراتهم التي اسرفوها منذ بدء تلك الحرب قبل اكثر من ستين عاما لترويج النمط الثقافي الغربي، الامريكي تحديدا على حساب باقي الثقافات وجعلها تابعة على المستوى البعيد.

    ربما العديد منا قرأ قصة اوريل الشهيرة "مزرعة الحيوانات" التي كانت من أعتى الوسائل التي حققت نجاحات وساندت بقوة دوائر المخابرات الامريكية في حربها الثقافية على الشيوعية أبتداء من الخمسينات وما بعد، والتي اعتبرت واحدة من اهم الابداعات الادبية التي كشفت ما قيل وقتها "القناع عن الوجه الشيوعي الكريه"، وساهمت بفاعلية في توجيه الرأي العام ضد الستالينية،خصوصا أن من كتبها هو شيوعي سابق غاص في الفكر والتطبيق الشيوعي واكتشف مدى كليانيته وعدوانيته ورجعيته، ليتحول بالتالي الى ايقونة الانتلجنسيا الامريكية البريطانية في الحرب العالمية الثقافية.

    ولكن هل يعرف الكثير منا ان تلك الرواية رغم وضوح النقد اللاذع فيها للشيوعية، الستالينية، كانت في الوقت ذاته توجه نقدا لا يقل قسوة وفضحا للرأسمالية،الامبريالية والمكارثية الغربية، وفق رؤيا خاصة بأوريل، ذهب فيها الى ان كلا النظامين المسيطرين في العالم سببا الكثير من الدمار، والتحقير لشعوبهما وشعوب العالم، كل بطريقته لفرض سطوته بأي وسيلة لا أخلاقية، وهكذا كانت رسالة اوريل التي اراد ايصالها بعيدة عن العنصرية والكليانية وفق فكرته التي يظن خلالها أن الحل الوحيد للعالم هي عبر ازالة القوى العظمى فيه.

    مشكلة اورويل، وربما معظم الادباء والكتاب النبلاء الذين لايتقنون الا صياغة الادب، تكمن بعدم وجود حساسية سياسية لديهم تمنحهم القدرة على تقييم الامور واستشراف من سيستغلهم وكيف،وهذا ربما ما حصل مع اوريل –ولا أجزم أبدا به- الا أني استنتجه بعد الوثائق السرية التي كشفتها الكاتبة الانجليزية فرانسس في كتابها المهم "من الذي دفع الثمن" من مراسلات المخابرات الامريكية والبريطانية المفرج عنها والتي تناولت تحديدا موضوع الحرب الباردة الثقافية التي شنتها السي أي إيه على العالم، فقد ذكرت إصابة جورج اوريل وفق زوجته بإحباط نفسي شديد أثر على باقي اعضاء جسده حتى الموت، بعد نشر روايته "مزرعة الحيوان" وإكتشافه قيام دار النشر التي اشترت الحقوق بإعادة صياغة الرواية لتحويلها الى هجوم صفيق سافر بإتجاه الشيوعية، بل وتحويل الرواية الى مسلسل كرتوني هو الاضخم في حينه حين تم تكريس أكثر من 70 رسام عالمي لتصوير القصة بشكل ساخر وأكثر وضوحا بإتجاه الشيوعية، بالاعتماد على اسم اوريل الذي كان يحظى بثقة معظم المحايدين و اليسار الغير شيوعي في تلك الفترة.

    ربما لم يكن أوريل يعي مقدار الخطيئة الاخلاقية والادبية التي ارتكبها بحق شخصه وإبداعه، ولعله كان يعلم وتغاطى مقابل الثروة التي جناها، الا أن الامر يختلف مع من جعلني اتذكره وأقارنه به مع الفارق الشاسع، وهو التلفزيوني عمرو خالد الذي بات مع اضمحلال قيمة الكتاب والادب لصالح الابهار البصري ورسائل اللاوعي المفعم بها، الذي تمارسه أخطر وسائل الحرب الثقافية المعاصره (الفضائيات، الانترنت) رأس حربه للهجمة الثقافية الصهيوأمريكية على المنطقة، حين كشف عن انهيار أخلاقي ومبدئي بإطراد توجه بإدعاء واضح وصريح يمنح تنازلا دينيا عقائديا عن مدينة القدس ومسجدها الاقصى لمصلحة اليهودية كديانة شكلية، والصهيونية كعقيدة امبريالية عالمية.

    أثبت التاريخ وكشف تسلسل الاحداث عن تكتيك أمريكي ثابت للترويج للخطط، تستخدمها دوائر الحرب النفسية الامريكية تقريبا في كل المجالات سياسية، إقتصادية، عسكرية وثقافية، تمكنها من تطبيقها سطوتها وقدرتها على شراء الذمم والشخصيات. تتلخص تلك الخطة بمعادلة بسيطة، وهي طرح الأسوأ بشكل سافر وواضح، والاستمراء في ترويجه وإجبار الشعوب على التعاطي معه، والضغط بإتجاهه حتى تبدأ الاصوات تعلو محتجة او تبدأ بعض الطلائع في استغلال ذلك لمصلحة المشاريع الوطنية القومية. هنا يبدأ تطبيق الخطة "B" إفتراضا، لتروج لما ستسميه بعض فروع الانتلجنسيا المحلية بالمشروع النقيض، أو هو ما سيتحول له بعض الرافضين لخطة "A" على اعتبار أنه حبل النجاة من الأسوا لما تعتقد أنه الجيد، فيما هو أسوأ الاسوأ على المدى البعيد والمتوسط.

    وبعيدا عن الاسهاب والاسقاطات، فإن هذا ما يتم تطبيقه في أحد فروع الحرب الثقافية، فبعد النشر الفظيع لمحطات الابتذال والعري الفضائية عربيا، التي تكاثرت كالفطر وحولت الجسد الى أهم المشاريع الثقافية، وفي موازة نزعة التدين والهروب الى الله، أو الانزواء في أمور الغيبيات لدى معظم الشعوب بعد غياب الوعي الثقافي المتوازن، طبقت ادوات المشروع الامريكي في المنطقة الخطة "B" فنشرت وعلى وجه السرعة القنوات المسماة إسلامية، وروجت لنجومها من مشايخ وشيخات، الذين لن اتحرج من وصفهم ب"دعاة البورنو" بعد أن حولوا الدين الى برامج تسلية وقصص تاريخية او غيبية، تستغل النزوع البشري نحو الماورائيات، وفكرة الضمير العقائدي، وابعاده بتناسب عكسي عن الفهم الصحيح والعملي للدين، بل والادهى تزييف معناه.

    هذا ما قام به شيوخ التلفزيونات وعلى رأسهم أشهرهم أوريل العصر "عمرو خالد"، الفنان التمثيلي المبدع بحق، صاحب الكرايزما الفريدة التي مكنته من حشد جماهير عريضة، والترويج للمشروع الامريكي الثقافي السياسي بما عجزت عنه معظم الوسائل المباشرة والغير مباشرة المستخدمة، واستغلال قدرته في الاقناع لتوجيه الرأي العام، وتقوية التيار الامريكي المتأسلم في وجه التيارت القومية الاسلامية المعادية للمشروع الامريكي في المنطقة، قبل أن يرتكب خطئه الفادح الذي التفتت اليه الجماهير، حين نزع الحق الاسلامي عن مدينة القدس، ومنحه لليهود نتيجة عملية تزييف تاريخية وميثولوجية وقحة، في إطار دعوته للتعايش مع اليهودي المحتل كمواطن له كامل الحقوق والواجبات. والاسلام الذي يروج له عمرو خالد، وهي ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذه المقالة.

     

    4/18/2007

    بين اليسار المتأمرك والاسلام المتأمرك

    بين اليسار المتأمرك والاسلام المتأمرك

    الحرب الباردة الثقافية الجديدة

    "راند" تستنسخ التجربة الشيوعية

    محمد لافي "الجبريني"

     

    ذكر أحد اهم عرابي الحرب الباردة الثقافية في فترة الصراع بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية، وزعيم أهم مراكز الهجوم الامريكي، عنصر السي أي إيه مايكل جوسيلسون، بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي عبارة تحمل العديد من المعاني، بعد تقاعده قائلا "لقد فقدنا عدوا قويا أفضل من كل الاصدقاء، وربما سبب بقاءنا أحياء".

    تلك الجملة ذات المغزى والتي ترددت بأكثر من صيغة على كل الالسنة المشاركة في تلك الحرب، لم تكن غائبة عن مراكز صنع القرار الامريكي، ولم يكن يعني أبدا احالة مقاتلي الحرب الباردة الى التقاعد المبكر، بل الى شحذ المزيد من الاستراتيجيات لمواجهة العدو الجديد، العدو الذي وجدت فيه مؤسسة "راند" للدراسات الاستراتيجية، قيمة أكبر وعدوا لا يقل شراسة عن الشيوعية العالمية وربما يتفوق عليها، من ناحية صعوبة الادوات المستعملة في مواجهته، فكان الاسلام هو الهدف القادم لتلك المؤسسة التي أنشئت عام 1946.

    مصنع الاستراتيجيا

    مؤخرا جرى الحديث كثيرا عن تقرير راند. تعتبر مؤسسة راند من أكبر المؤسسات البحثية في العالم، برأس مال يفوق ال150 مليون دولار سنويا، تعتبر دراستها مصادر أساسية في القرارات والخطط الاستراتيجية الامريكية خاصة العالمية منها، ولعل تذكرة تاريخية بتوصياتها للإدارة الامريكية بعيد احداث سبتمبر وقرار بوش خوض الحروب الصليبية - حين اوصت بإثارة الفتنة بين السنة والشيعة، والتضيق على النظام السعودي - ونظرة موازية للواقع تعطينا انطباعا عن مدى تأثير هذه المؤسسة على مفاصل صنع القرار الامريكي.

    مؤخرا أصدرت "راند" تقريرها السنوي، وعلى غير العادة لم تعلن عنه في مؤتمر صحافي، بل أبقت معظم بنوده سرية وإن سربت عبر مواقع إلكترونية تابعة لها بعض بنوده، المثيرة للجدل والتي سنتناولها في قرائة إستشرافية ومقارنة.

    الاسلام الامريكي

    عبر التقرير الذي أثار ردود فعل كبيرة إسلاميا وأمريكيا عن إمتعاضه للسياسة الامريكية، جاء ضمن مقدمة نقدية شديدة اللهجة للسياسة الغير فعالة في مواجهة ما يسميه الارهاب، داعيا الى استبدالها، وتفعيل سياسات أخرى، يلاحظ انها تعبر عن نفسها بصورة أكثر تطرفا في مواجهة الاسلام ككل، وليس كما كان يذكر دائما وهو محاربة "التطرف الاسلامي".

    الا أنه هذه المرة يوسع هدفه ليكون الاسلام ككل وليس ما يسمون بالاسلاميين، وإستبداله بالاسلام الامريكي، وفق المعنى الادق والاكثر قربا لوصفة الاعتدال الامريكية، بمعنى أن كل مسلم من الملياري مسلم في العالم سيكون مستهدفا وخاضعا لنظرية المحورين (الخير والشر)، ولا يتوقف التقرير عن الاسهاب في شرحه حول الفرق بين المسلم الامريكي والاخر المعادي، فالاول لا بأس إن كان من ذلك النوع الذي يصلي ولكنه غير ملتزم بالمساجد وغير معني بتطبيق الشريعة، بل يرفضها، وفي حال كان متدينا بدرجة أعلى فيسمح له ان يكون من اتباع الطريقة الصوفية ممن لا يبحثون الا عن المسائل الروحية والنفسية، فيما يضع في المحور الثاني كل من هم عدى ذلك ابتداءا من اتباع الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وما تلاهم.

    الادوات..

    التقرير بمجمله يعيد الى الاذهان تفاصيل مشابهة رادفت الحرب الباردة قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، حين كانت السي آي إيه والاجهزة الرديفة لها، قد تبنت برنامج مساندة اليسار غير الشيوعي في أوروبا، ودعمه ليكون بمواجهة الشيوعيه، وبديلا ثقافيا وسياسيا لها، وتشحذ آلتها الاعلامية في مواجهة ذلك الفكر، فكانت أدواتها على شاكلة "راديو ليبرتي"، مجلة "إنكاونتر"، وأوركسترا "برلين الفرلهورمانية". اضافة الى محاصرتها بالعديد من الدول اليسارية التي انقلبت عليها لاحقا.

    فيما لا يختلف الوضع كثيرا مع بحث "راند" الجديد في محاربة الاسلام، ونشره مؤخرا لا يعني ان البدء سيكون من الصفر، فالتعديلات تعني توسيع رقعة الهدف وإيقاف بعض الضغوطات على الدول لإجبارها على تطبيق الديمقراطية، بل ودفعها الى مزيد من التشدد في محاربة الاسلام كنظام حياة إجتماعي، سياسي وثقافي، وهذا ما تقوله في تقريرها بالحرف: "إن من الخطأ السماح للحركات الإسلامية مهما كانت درجة اعتدالها بالوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، وأن الدعوة إلى الديموقراطية تأتي عادة بالإسلاميين وهذا مرفوض، ومن ثم يجب تغيير السياسة الأمريكية في هذا الصدد، لأن الحكومات الموالية لأمريكا وإن كانت ديكتاتورية، إلا أنها أفضل من وصول الإسلاميين إلى السلطة". 

    . ثقافيا فهي  كانت قد أنشأت الوسائل الثقافية على غرار ما واجهت به الشيوعية، فدشنت الفضائيات الدينية، السياسية، والفنية التي تروج لما تدعو اليه، وأقامت المجلات ومحطات الراديو، المراكز، الجمعيات، هذا عدى ما يلعب دور اليسار الغير الشيوعي في العهد السوفياتي، وهم الان  من تسميهم "الدعاة المتنورين" الذين يركزون في خطبهم على الامور الروحية، ويشجبون "التطرف"، مع التذكير بأنهم يجب ان يكونوا من خارج المساجد . إضافة الى نصيحة راند الادارة الامريكية بالتركيز أكثر على أطراف العالم الاسلامي بعيدا عن المركز العربي، في اشارة الى شرق آسيا، أفريقيا وأوروبا.

    الحرب القذرة

    الادارة الامريكية لن تخفي هذه المرة أهدافها ودعمها للعناصر الموالية لها في العالم الاسلامي، فعكس ما جرى بعد إكتشاف ان اللجنة العالمي للحرية الثقافية ممولة من السي أي إيه، فتم حلها، يجري الان، فلا بد وفق الدراسة من دعم العلمانيين من كل التيارات (يسارية، ليبرالية..) وحتى الشيوعية، ونشر أعمال مثقفيها وسياسييها في مواجهة التدين.

    لا أحد يدري حتى الان الى اين ستصل الادارة الامريكية من درجات النجاح في تطبيق هذه الخطة الاستراتيجية، التي لا نعلم منها حتى الان الا خطوطها العريضة، لكن ما نعلمه هو الهدف الذي لم يعد هناك اي مواربة فيه، ولن تعود زلات اللسان التي كانت تسري على لسان بوش ومعاونيه محض زلات، بل هي ارهاصات المخطط الذي بلا شك سيفتقر الى أهم عناصره إذا ما تماسكت الدول الاسلامية في مواجهته، وهوأحصنة طروادة، التي قد تتذرع بفكرة مواجهة التطرف الديني، لترتمي في أحضان الاستعمار، فلا شك أن من إستغلتهم أمريكا وتستغلهم لتطبيق هذه السياسة واضحون الا أن العبرة تبقى دائما في وعي النخب القومية والوطنية قبل التيارات الاسلامية لمواجهة هذا المشروع، على اعتبار انهم المستهدفون لضرب الثقافة الجمعية للشعوب.

     

    في الجزء الثاني..

    أحصنة طروادة من هم؟

    مقارنة بين أبرز الانجازات الامريكية في الحرب الثقافية شيوعيا وإسلاميا

     

    4/4/2007

    موجه جديدة في الحرب الثقافية

    موجه جديدة في الحرب الثقافية الصهيونية

    مرة أخرى..

    إهانة للسيد المسيح، واهداف بعيدة المدى

     

    بصراحة أنا فعلا معجب جدا بهذه الطاقة التي تمتلكها، دوائر المنظمات الصهيونية وحلفائها حول العالم، من إمتلاكها لأدوات الحرب الثقافية وإستثمارها الى أبعد مدى، وخلق أدوات جديدة في كل مرة، ومن ثم الحشد، وبناء الموجات الهجومية بإستمرار في كل الاتجاهات، وهي قدرات تستحق الاحترام والاعجاب، خاصة وأنا أعتقد منفصلة بدرجة كبيرة عن الحرب الثقافية التي تقودها أمريكا، وتحاول الخروج من عبائتها الايديولوجية الدينية، لتصنع جبهة في مكاسب أكثر خصوصية لها، وكالعادة فنحن نتفرج مذهولين، نتسلى ونقيس الامور وفق الطريقة الذين يريدونها!

    آخر أشهر الهجمات الثقافية اليهودية، كانت شاملة، إعتمدت تحالفا يهوديا صهيونيا، جاء تكريس لهجمات سابقة، والهدف كان قدسية المسيح عليه السلام، بما يحوله مادة جدلية للبحث والنقاش واختلاف وجهات النظر بعد أن كانت شخصيته محفوظة، والرأي فيها قاطع لدى الاسلام والمسيحية، ولكن ليس بالنسبة لليهودية والصهيونية اللادينية.

    لم يكد "كاميرون" ينتهي من مؤتمره الصحافي حتى توالت ردود الفعل في أنحاء العالم، وعاد الحديث مجددًا إلى قصة "شفرة دافنشي"، لكاتبها "دان براون"، تلك الرواية التي تحولت إلى فيلم سينمائي، من بطولة النجم الأمريكي "توم هانكس". وهي تزعم أن المسيح عليه السلام كان متزوجًا بالمجدلية، وأنجب منها، وأنها لم تكن خاطئة كما تذكر الأناجيل -التي قامت على ما يُطلق عليه مجلس العشرة، والذي انتصر لإنجيل بطرس، وعليه قامت الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان.

     

    اليهود وحكم العالم

    وعودة إلى الوراء قليلاً، فقد عرضت القناة الثالثة الفرنسية وقتها سؤالاً خطيرًا، مفاده أنه إذا كان للمسيح نسل، أفليس نسله هم الأحق بحكم العالم؟ إذ المسيحُ ملك يهودي، ومريم المجدلية -وهي ابنة خالته- تجري في شرايينها دماء ملكية من سبط لاوي، ولكن الفاتيكان وقتها تدخل بثقله ضد الفيلم، بل ودعا "المؤمنين" في العالم إلى مقاطعته، فيما جاء على لسان نائب البابا شخصيًّا، حسبما نشرت الـ"CNN" وقتها.

    وقد أثار الفيلم مجددًا عشرات الأسئلة المتعلقة بالمسيح عليه السلام: لاهوته وناسوته، وهل يصح له أن يتزوج، وهل ذكر الإنجيل أو القرآن ما يفيد عدم زواجه؟ وهل كانت "المجدليةُ" حقيقةً هي الكأس المقدسة التي تحدثت عنها رواية "شفرة دافنشي"؟  وإذا صح كل ذلك؛ فمن هم أحفاد المسيح، هؤلاء الذين هم الأحق بحكم وقيادة العالم "الكاثوليكي"على الأقل؟

    وقد زعمت "شفرة دافنشي" حول هذه الجزئية أن فرسان المعبد إنما شاركوا في الحروب الصليبية للبحث عن إنجيل المجدلية، وليس لتحرير القدس من أيدي العرب المسلمين كما كان مُعلنًا، وزعمت الرواية أنها جماعة سرية أسسها أحدُ ملوك فرنسا، وقد ظن أن عروقه تجري بالدم الملكي المسيحي، وأراد الكشف عما يثبت ذلك؛ بل وجاء في الرواية أن تلك الجماعة، أو طائفة "سينون" -كما سماهم المؤلف- كان من بينهم الفنان التشكيلي والعبقري الإيطالي الأشهر "ليوناردو دافنشي"، والعالم "إسحق نيوتن"، والروائي الفرنسي الأشهر "فيكتور هوجو".

     

    إختلاق التاريخ

    يعتمد الفيلم على كتاب "ضريح السيد المسيح"، الذي كتبه "سيمخا جيكوبفيتشي"، و"تشارلز بليغرينو".

    ويعرض رحلة بحث لفريق من المستكشفين، عثروا داخل القبر على عشرة قبور، ضمت بقايا ورفات موتى، وعثروا على نقوش وكتابات -في ستة من هذه القبور- قال علماء الآثار إنها تعود إلى المسيح، ووالدته السيدة مريم، وعدد من تلاميذه، مثل متّى، ويوسف، ويهوذا وغيرهم. ويؤكد تعليق الفيلم على أن عنصر المصادفة يزول تمامًا مع وجود ستة أضرحة تحمل أسماءَ الحواريين، وفيها ضريح السيد المسيح، وينتهي التعليق بالحديث عن نوع من محاولة "التكميم"، أو الإجبار على الصمت التي واجهها فريق الفيلم.

    وزعم "كاميرون" وطاقمه السينمائي أنه تم التأكد بأخذ عينات الحمض النووي من البقايا البشرية في الأكفان، إضافة إلى أدلة إحصائية تدعم المزاعم التي تناولها الفيلم الوثائقي، وقال إنه "شعر بارتعاشة في جسده بشأن "تورطه" في المشروع، غير أنه يعتقد أن هذا الاكتشاف يعد أعظم قصة آثار في العصر.

     

    النجاح في تشريح المسيح

    غير أن باحثين وعلماء آخرين أثاروا الشكوك حول تلك الأنباء والاكتشافات..

    فقد ذكر "آموس كلونر" -الأستاذ بجامعة القدس، وأحد أوائل الباحثين الذين قاموا بدراسة القبر بعد اكتشافه- أن الأسماء المكتوبة على القبور لا تكفي لدعم الافتراضات بأن الموتى هم أسرة المسيح المذكورة في العهد الجديد.

     

    وقال "كلونر": (إن الأسماء المذكورة كانت هي الأكثر شيوعًا بين اليهود في القرون التي نتحدث عنها)، وأضاف أنه لا يستطيع نفي إمكانية كون القبر يعود إلى المسيح وأسرته، موضحًا اعتقاده بأن "الأمر فرصة.. مجرد فرصة!". وذكر أنه سيحتفظ بتصريحه النهائي إلى حين تمكنه من دراسة الفيلم الوثائقي، والمزاعم التي يرويها.

    وفي الوقت ذاته تتهم بعضُ المصادر العلمية منتجي الفيلم بأنهم مجرد "مروجين" للفيلم، ولا دليل دامغ لديهم.

     

    إرهاصات باكرة

    جدير بالذكر أن الكلام عن عائلة المسيح عليه السلام ومقبرته بدأ منذ أكثر من 25 عاما، وتحديدًا في 1980، عندما قام "يوسف غات" -الخبير الذي كان يعمل مع سلطة الآثار الإسرائيلية- بعملية مسح لمقبرة في الجنوب الشرقي من القدس، بعدما قامت الجرافات بتسوية الأرض في المنطقة، تحضيرًا لبناء وحدات سكنية فيها، وخلال ذلك اكتشف المكان الأثري.

    ووجد "غات" في غرفة دفنٍ مجاورة للمكان ستة توابيت، تبين الطقوس اليهودية في الدفن. وتزامن هذا الاكتشاف مع صدور كتاب "دم مقدس .. كأس مقدسة" لـ"مايكل بيجنت"، والذي أشار أول ما أشار إلى فكرة أن الكأس المقدسة هي المجدلية، وأنها كانت زوج المسيح وأولى حوارييه.

    3/21/2007

    دلالات إغتيال الشهيد طه ياسين رمضان

     

     

    المقاومة آخر قلاعنا

    هل فشلت الانتلجنسيا العربية في المواجهة الباردة

    الحرب الباردة الثقافية في العراق وما بعده

    دلالات إغتيال الشهيد طه ياسين رمضان

     

     

    محمد لافي "لجبريني"

     

     

     

     

    خيبة أمل تعيشها الدائرة "الجيوسياسية" الامريكية بعد مضي السنة الرابعة على احتلالها للعراق، دون أن تتمكن من تحقيق خططها الاستراتيجية، التي كانت قد عكفت عليها دوائر الابحاث الاستراتيجية في وكالاتها السرية والقومية، وحاولت عبرها الاستفادة من خلاصة قرن من التجارب في الحروب العالمية والاقليمية الساخنة والباردة لتوسيع دائرة النفوذ ونوعيته ،كما أملت وتخيلت، مقارنة مع أماكن أخرى من العالم حققت فيها نجاحات نسبية لا زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.

    هذا التعبير لا يعني أن الخاسر الاكبر والاول في هذه الحرب هو طرف آخر غير العراق والعرب عموما، مهما بدت الأعمال العسكرية غير ذات جدوى للفكرة بعيدة الامد التي تسيطر عليها أحلام الامبراطورية العالمية، فقد استنزف العرب المزيد من الخسائر المادية، الانسانية والمعنوية في هذه الحرب التي لم تنتهي منذ احتلال فلسطين وحتى ما بعد احتلال العراق، مقارنة مع حجم الطموح العربي الذي يتحدد فقط –رغم فداحته التي لا تحتمل- في حجم الخسائر في الارواح وتعداد الجثث التي تظهر على نشرات الاخبار في كل ساعة، وهو ما يجعلنا بعيدين جدا عن فكرة الهدف الاستراتيجي الامبريالي الذي تقوده الولايات المتحدة على العالم الذي يشكل العرب أحد اهم أقاليمه والعراق أحد اهم بواباته. ونطرحه هنا من وجهة نظر ندعي أنها بعيدة المدى وتحاول استشراف الاهداف الشبه نهائية للمشروع الدائر في منطقتنا حاليا مقارنة مع أمثلة أخرى كأوروبا وآسيا بعد الحرب العالمية وخلال الحرب الباردة مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاستراتيجية.

     

    تحطيم الرمز، وبناء الصورة

    إن نظرة مقارنة للوضع العربي بعد أربع سنوات من رفع جنود اليانكي علمهم في ساحة الفردوس، تظهر بوضوح ان العمليات العسكرية هي الوسائل وليست الغايات، لتحقق عبرها تحطيما سريعا للنفسية الممانعة لدى الشعوب، عبر تحطيم الوجود العملي لمحريضيها- الزعماء والرموز- وبناء نخب جديدة تقودها بناء على النصائح الامريكية التي ستكون اقتربت أكثر من تحقيق هدفها بهذا اذا نجحت العمليات العسكرية فعلا في تنفيذ ماهو مطلوب منها- اغتيال القيادات، تشويه الرموز، وخلق أمر واقع ونظام اجتماعي جديد.. الخ.

    هذه الاربع سنوات وما رافقها من احداث كان خاضعا لأساليب الحرب النفسية المتبعة –عبر عملية حرق المراحل التي مارستها الولايات المتحدة مع شعبها وشعوب الغرب عموما، فهي لن تكون بحاجة لإقناعها اذا نجحت في إقناع الشعب المستهدف- ولم يكن شيء منها قد حدث عبثيا، خاصة عمليات الاعدام الاستعراضية لقادة ورموز الحكم الشرعي للعراق – لم يكن إعدام صدام صباح العيد، وفصل رأس برزان، وتسريب معلومات عن وجود يهود وايرانيين عبثيا بل كان ضمن خطط تشويه الصور النفسية للشعب والامة- التي كان آخرها إعدام طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي في ذات اليوم الذي دكت فيه أولى صواريخ كروز متوسطة المدى قلب بغداد، في متوالية مدروسة تهدف الى زعزعة الحضور النفسي لآخر رموز الزمن الماضي في النفسية الشعبية العراقية، وبإيحائية أكثر للأهداف المحتملة أمريكيا في مراحل لاحقة – اي انها رسائل موجهة لباقي الشعوب المحتمل تعرضها لهجوم مماثل مثل ايران وسوريا.

     إن (التوقيت، الشكل والرمز) هي المعادلة المفضلة لمراكز الابحاث الاجتماعية في أمريكا في كل مراحل صراعها منذ محاكمة نورينبيرغ لنظام الحكم الالماني النازي، وحتى إعدام طه ياسين رمضان الاخير.

    فهذا ماسينعكس على الصورة الشعبية العراقية على مر سنوات.. الآثار التي خلفها النظام السابق ما يجب زواله أولا قبل ان يحل مكانه اللون الجديد للحالة المرجوة، أي النظام الثقافي الجديد المقتبس من الثقافة الامريكية الذي لا بعث فيه ولا خطابات مؤدلجة قومية، ولاحس بنيوي اجتماعي متماسك يثبت العقلية التاريخية للعراق التاريخي، وهي من الوسائل المتقدمة على طريق تحقيق الاهداف النهائية، فهل يكون العراق، والعرب قد خضعوا عمليا لهذه الاسلحة النفسية فعلا والى اي مدى سيكون تأثيرها ناجحا؟

     

    الحرب الثقافية النفسية

    لقد فَعلت القوى المحتلة من حربها النفسية قبل أن تبدأ عملها العسكري وستستمر فيه الى مدى أبعد بعد أن توقف استخدام الحديد والنار، ستبحث عن إنجازات توازي ما وصلت له في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، فبدأت بإنشاء وسائل الاعلام الموجهة وإختراق تلك السابقة، فتم بناء الفضائيات الاخبارية عبر متوالية متسلسلة، بتعمد جعل بعضها غير مقبلول لصالح الخيارات الاخرى التي ستكون البديل عنها، بما يشكل وسيلة مهمة في توجيه الرأي العام وتشكيل وجهات النظر، وهي عمليات غسيل دماغ على شاكلة إذاعة "أوروبا الحرة"، ومجلة "إنكاونتر" التي استهدفت الانتلجنسيا الاوروبية أثناء وبعد الحرب العالمية، ونجحت الى حد بعيد في صياغة أفكار إيجابية في بيئة لم تكن تنظر بإرتياح الى الامريكي ونمطه الهمجي، أما جماهيريا فكانت المهرجانات الثقافية والفنية، المجلات، الكتب كل ذلك كان بموازة استعراضات محاكمة نورينبرغ، لتتمكن من انتزاع اللامبالاة الشعبية لصالح الفردية الرأسمالية سهلة التحكم بها، فهل يختلف الامر كثيرا عن الوضع الحالي عراقيا؟

    الاساليب لم تختلف جذريا وإن إختلفت من ناحية التقدم التقني والتكنولوجي خلال العقود ، الا ان ما يختلف هو مراعاة الحالة الثقافية لكلا الحالتين، ففي حين استخدمت دوائر الحرب النفسية الامريكية الثقافة والفنون العريقة اوروبيا لتوجيهها الى الصيغة الامريكية، فما يجري عربيا وليس عراقيا فحسب هو استخدام النقيض، أي الاسفاف والانحدار أكثر بالمفاهيم الثقافية- بعد تغييب صارخ للإنتلجنسيا الممانعة العربية، واقصاء النخبة الثقافية عن وسائل الاعلام- التي أسست لها الاغاني الهابطة ومحطات التعري الفضائية بمؤازرة الكتاب "النيوليبراليين" أو ما باتوا يشكلون الانتلجنسيا المفضلة للبروبوغندا المسيطر عليها، التي أرخت لإحتلال العراق حين فُعل معظمها قبل او بعد مدة وجيزة من لحظة احتلال بغداد، فالفراغ الذي سيولده انسحاب السلطة السياسية والثقافية تحاول الثقافة الغربية ان تعبئه في مواجهة الميثولوجيا الدينية التي تحولت الى الخصم الاكثر قوة في مواجهة المشروع الاستعماري.

     

    المقاومة، آخر القلاع

    هذه النتيجة الملخصة والمختصرة للأحداث هي ما أردنا الوصول اليه في بداية الحديث، فرغم بلايين الدولارات التي وظفت من قبل الاحتلال وحلفائه لخلق حالة ثقافية مهشمة، وبناء مجتمع غير متماسك يعتمد الدين الرأسمالي والفردية الليبرالية في نظم حياته، ورغم حجم المكاسب الاقتصادية التي كان مردودها من النفط المسروق خلال الاربع سنوات يفوق ال(430 مليار دولار)، فإنها حققت نجاحات جزئية في الوعي الشاب للشعوب، الا أن التأثير الذي كان مرجوا قد بدأت ملامح فشله تتكاثر في وجه استراتيجيي الاستخبارات الغربية، ولعل الدليل الاكثر وضوحا هي توافقية الجماهير العربية بعد مضي السنة الرابعة لإحتلال العراق مع صيغة المقاومة، التي شكلت أفعاله ومقاومتها العسكرية البسيطة الصخرة الممانعة الاولى في وجه ذلك المشروع، والرافد الاساسي المغذي لفكر الممانعة الشعبية لدى الجمهور العراقي ولدى باقي الشعوب، كل حسب درجة تأثره بتلك الحرب، وأفسدت محاولة تشويه صورة المقاومة على أنها "إرهاب" حين أكد الشعب العراقي على احتضانه لهذه المقاومة في غابة من الجماهير حين عزت على المقاومة وجود غابات فيتنام وجبال بوليفيا.

     وخلاصة القول إن ما يتهدد المنطقة من الحرب الثقافية والنفسية التي بات محورها الاساس العراق –باعتباره اقوى دولة عربية حديثة والقلعة الحصينة التي دمرت عسكريا- هو أخطر ما سيصيبها في حال انهارت الممانعة النفسية للشعوب، وهو ما فشلت فيه امريكا في الكوريتين والهند الصينية رغم الضربات العسكرية المتوالية.

    وتبقى الاحداث التي ستفتعلها دوائر الخطط الاستراتيجية هي محك آخر يجب ان يستمر الصمود معه، فحرب أخرى أمر متوقع، وهي ليست أكثر من وسيلة للهروب الى الامام، واستعراضات اعلامية قادمة هي الاكثر توقعا بعد نفاذ الخيارات مع اعدام آخر رموز الشرعية العراقية، قد يتم ابتكار محاكمة جديدة تغذي ما سبقها ستكون لى شاكلة القافية الاخرى لمحاكمة النظام الالماني، وهي روزنبرغ التي راح ضحيتها الزوجان اليهوديان إيثل وجوليوس روزنبرغ بتهمة الخيانة، بعد الهزائم المتوالية لأمريكا أمام الاتحاد السوفياتي في الحرب النفسية. فهل بات أمر كهذا قريبا بعدما فشل المشرو النفسي في تحقيق مراده حتى الان؟

     

    3/17/2007

    قول ياطير.. مش قايل!

    قول ياطير.. مش قايل!

     

    محمد لافي "الجبريني"

    لم أكن أنوي التعليق فعليا على تلك القضية التي أثيرت إعلاميا بخصوص قضية الكتب الدراسية التي قررت الحكومة الفلسطينية إتلافها (نص نصيص، قول ياطير) بدعوى خدشها الحياء العام وحملها لإيحاءات جنسية فاضحة لا تليق بمن هم في سن التشكل الفكري والثقافي، وأشبعت تحشيدا في المواقف خصوصا من قبل الطرف المعارض لحرق تلك الكتب، على اعتبار انها جزء أصيل من التراث الانساني الفلسطيني، يجدر الفخر بها لا إحراقها.

    وقد قامت ثلة من المثقفين الفلسطينيين، التي تغلب على ميولهم التيارات اليسارية والنيوليبرالية بوصم ما قامت به الحكومة الفلسطينية بالتدمير الثقافي، وشبهته بما كانت تقوم به محاكم التفتيش الكنسية في اوروبا العصور الوسطى وما بعد الوسطى، وخشيت من تحولها الى شكل فلسطيني جديد يشبه طالبان والمحاكم الاسلامية –على اعتبار ان ماقامت به الحكومة يشبه مافعله الطالبان بتماثيل بوذا، وما قامت به المحاكم الصومالية في دور السينما، وهو بالتالي ماسيحول التراث الفلسطيني كله الى الهولوكوست المبني على النزعات الدينية الرجعية وفق ما يروجه اليسارالليبرالي.

    لم يكن الامر بحاجة لكثير من التدقيق ليتيقن المرء من تلك القضية الاشكالية التي جعلت الحكومة الفلسطينية في النهاية ترضخ لمطالب تيار اليسار النيوليبرالي الذي هب على حين غرة بعد أن غاب طويلا عن أذهان الناس والتفاعل معهم ومع قضايهم لينتفض كالمارد من قمقه في مواجهة الحكومة، التي قررت في النهاية التوقف عن اعدام تلك الطيور من كتب المدارس.

    وللإضاءة التاريخية، فمجموعات "قول ياطير" هي مجموعة قصص وحكايات وخراريف عمرها مئات السنين، روتها الجدات، في ليالي الريف القمرية، وتبادلها الحكواتيون، وهي عمليا جزء مهم من التراث الفلسطيني المغيب عالميا، ربما يتفوق في بعض جوانبه على ألف ليلة وليلة الفارسية، ظل محصورا في عواجيز الشعب وبعض مثقفيه.

    الا أنه وبالرجوع الى تفاصيل القضية، فقد كان رأي الحكومة الفلسطينية بأن القصص التي ادرجت في المناهج الدراسية كانت على درجة عالية من الاباحية الفكرية بما لا يتلائم مع السن الذي يستعد فيه الأطفال لتثبيت عقليتهم وبناء شخصيتهم المستقلة والمستندة أولا واخيرا الى تراث شعبها وقوميته التاريخية.

    تلك القصص لا تعدو عن كونها أدبا شعبيا يستحق الاحترام، وهي حافلة بقصص رائعة، غيبت عن قصد او دونه لصالح قصص غير مفهوم سبب التركيز عليها وزجها في عقلية أطفال بيئة محافظة مثل بيئة الشعب الفلسطيني، تحفل بالعبارات الجنسية المباشرة والمصطلحات الصادمة، التي ربما لو اقتبسنا بعضها ووضعناه في هذه المساحة لتم إغلاق أي صحيفة  وتحويل رئيس تحريرها ومديرها العام الى القضاء بتهمة خدش الحياء العام، فما بالك ان كانت تدرس لأطفال في عمر الزهر، عقولم في طور النمو، متعطش للفكر ولكل ما يغذيه، لنجد أننا حشوناه في هذه المرحلة الخطيرة من عمره بقصص تتحدث عن الاغتصاب، زواج السفاح، أبناء الحرام، الفتاة التي ليست أكثر من بطلة جنسية، أسماء الاعضاء الجنسية الذكرية والانثوية، وفي حالات وصف لحظات اتصال جنسي بتفاصيل مثيرة للهيجان!

    لقد شبهت نخبة "اليسارليبرالي" عملية اجتثاث تلك القصص من كتب الدراسة بأنها عملية ظلامية، متناسية وهي النخبة التي اختارت الانحياز في كل فرصة ضد ما يمثل مصالح شعبها كل ما يتعرض له الشعب يوميا من عمليات تدمير ثقافي تراثي تقوده هي بحد ذاتها عبر تشويه الذاكرة النضالية والتاريخية بما تخطه تلك الاقلام، فهل نسي شاعرنا العظيم محمود درويش أنه هو ذاته من صادق على قرار الغاء العقول قبل سنوات ثلاث حين وقع على تفاهم المثقفين العرب بتحريم نقد الهولوكوست والتشكيك بحدوثه، الى جانب من وقعوا معه مؤخرا على وثيقة قول ياطير، أليس ذالك يا مثقفي اليسار الامريكي –منع التشكيك بالهولوكوست- هو بحد ذاته حكم مسبق وتقييد لحرية الفكر والنقاش والثقافة، وتشويه للتراث الثقافي التاريخي، بل والادهى الوقوف في الصف المعادي، قبل ان يكون تدخل في أمر لا ناقة فيه ولاجمل؟

    ثم لماذا التشبيه بطالبان والمحاكم الاسلامية، طالما من تستمدون منه فكركم وضؤكم الاخضر في اصدار البيانات وأعني أمريكا تحديدا مارست هذا الفعل وبكل وقاحة على مستوى العالم، لماذا لا تشبهون الحكومة الفلسطينية بها، بعد أن أصدرت وزارة الخارجية الامريكية إبان الحرب الباردة في أوائل الخمسينات قرارا لسفاراتها في الخارج بمحاربة كل كاتب وفنان وموسيقي في أمريكا و العالم يعتقد أنه يتعاطف مع الشيوعية، فأحرقوا كتب داشيل هامييت، سارتر، سيمون دي بوفوار، ويليم فوستر، فاوست، ماكسيم كوركي، بوشكين، والمئات غيرهم، وحاربوا الممثل العالمي شارلي شابلن بدعوى ان أعماله مريبة، ومنعو أعظم السيمفونيات،  ودمروا كل مثقف في العالم يعتقد أنه لا يؤيد السياسة الامريكية بوسائلهم الدنيئة، من منع نسخه، وتقييد دور النشر، حتى أرنست همنغواي الذي ساند بدوره وكالة المخابرات المركزية في حربها الثقافية في أوروبا لم يسلم من التشكيك به حتى تم دفعه للإنتحار بعد أن حبس نفسه لأكثر من سنة هربا من ملاحقة مخبري الاف بي أي، الى درجة أن مكتبة الكونغرس فقدت في غضون أسابيع أكثر من مائة وأربعين ألف عنوان كتاب من على رفوفها!

    هل تسمى الحكومة الفلسطينية بعد قرارها بحماية أبنائها بالظلامية، فقط لعدم تناغمها أيديولوجيا مع يساركم المهزوم الذي عفنته الخطابات المقتبسة والكلمات الممجوجة!

    إن الاولى بهكذا نخبة الاعتكاف بأبراجها العاجية، تحتسي النبيذ من على شرفاتها الشاهقة، وتكتب القصائد الباذخة والروايات الملحمية، فبهذا فقط يحترمها الشعب، فهي كلما فكرت بالنزول من أبراجها أفسدت ولوثت بعدما أدمنت الخيال، وزادها غرورا نشر قصيدة في "ذا نيويوركر" أو مقالة في "واشنطن بوست" او قدمت عنها أطروحة في "كامبريدج"، أما أطروحة الشعب فهي لمن يعرف هدف الشعب..

     

     

    http://ezza3tar.spaces.live.com

    3/10/2007

    من ينقذ تراث ناجي العلي

    من ينقذ تراث ناجي العلي

     

    محمد لافي "الجبريني"

    لعلي توسمت هذه المرة حجة مناسبة تقنعني ضميريا لمتابعة قنوات "البورنو كليب" الغنائية العربية على أقمارنا العربية المعتمة التي جمدت أي نشاط قومي لمصلحة تثقيف شعوبنا جنسيا على الطريقة الحيوانية –بناء على نصيحة سعد الذي يشير علينا بكيفية مغازلة الإتان عند تجاوز سعارنا الجنسي حده- فقد أثبتت إستطلاعات الرأي ونتائج البوحثات الصادرة عن مراكز عربية واضحه اهتماماتها، أن الشعوب العربية مصابة بإختلال وظيفي في فهم الحب، ففي حين فرزت النتائج الامة الى شعوب حارة وأخرى باردة، فكان لا بد من دعم هذا النشاط الاعلامي الصارخ إعتمادا على أهم وسائل العصر وأكثرها شعبية وهي الفضائيات، وبذلك لم تتوانا النخب الاقتصادية في العالم عن إستغلال النخب الاقتصادية عنا لإغراق الذهنية العربية بهذه الصور، ضمن جملة الحرب الاعلامية التي تعتمد التخريب البصري والسمعي، وإستغلال الجسد المعرى والالفاظ الموجهة في الحرب الثقافية التي نتعرض لقصفها يوميا.

    أقول.. وكوني ذكرا مصابا بالارق البارد –اعتمادا على تقارير الدراسات فأنا من المناطق التي تعاني برودا-  فقد وجدت ذريعة الحاجة المهنية للبحث في أصل أحد مشاهد العري التي تبث ليس بذريعة الفن والغناء الشاب وحسب، بل بذريعة الرسائل السياسية والغناء القومي في مواجهة السياسات الهدامة في الامة العربية. اي على شاكلة جوليا بطرس وسميح شقير، وشعبان عبد الرحيم ليس افضل حالا!!

    البداية كانت مع قناة إخبارية عربية واضح ماهية البرامج التي تروج لها، والسياسة التي تتبناها في خضم الحرب الثقافية المستعرة، حين أفردت تلك القناة مساحة دقائق مهمة في أهم نشراتها الاخبارية المسائية وأكثرها متابعة، لريبورتاج "فريد" عن أحدى مغنيات البورنو وأغنية جديدة لها، تبعه لقاء مباشر معها.

    مقدم نشرة الاخبار منهج أسألته هو وقائمة المعدين معه لمحاولة وضع المتعرية الكويتية المقيمة في باريس في مصاف "الفنانيين" أصحاب الجرئة في مواجهة السياسة الامريكية في المنطقة وفي العالم، فهي قدمت في شريطها الجديد كليب "غير عادي" سخرت فيه من الرئيس الامريكي جورج بوش ومساعديه، عبر تركيب صورهم على مشاهد من أغنية لم أفهم من كلماتها سوى "إزيك، خالتي وخالتك واتفرقوا الخالات.."!

    بدأت شمس تطرح ما تهدف له من الاغنية، مستعرضة عبر ثقافة تليق فعلا بمتعرية أنها تنتقد السياسة الامريكية وتساهم برفد الثقافة الغنائية العربية بأعمال هادفة تزيد من الوعي الجمعي. بالتأكيد لم تقل ذلك بهذا التفصيل لكن هذا ماكان تريد قوله وهي تتلعثم، ولاحقا الاستشاطة غضبا وكأنها متهيئة مسبقا للهجوم عليها، بعد أن سألها القدم بحسن نية عن سياق أعمالها عموما.

    لا ادري ان كانت الكويتية شمس تحاول تقليد مغنيين غربيين واستنساخ تجارب جورج مايكل او مادونا او غيرهم، وتسيوق هذا النمط على الامةالعربية مع الاختلاف الشاسع لصالح سالفي الذكر.

    بناء عليه كان علي متابعة سفاسف هذه "الفنانة" لأحكم على العمل الذي شاهدت لقطاته على تلك القناة الجادة في تطبيق دورها الثقافي، حتى توصلت قبل ايام الى مشاهدة العمل كاملا على احدى قنوات البورنو ذاتها..

    شمس ذاتها تتعرى على نفس الطريقة، وكلمات اغنية لا أدري ما شأنها وشأن جورج بوش والسياسة الامريكية في المنطقة، شيء لا يختلف عما تؤديه ماريا وهيفا وباقي الكورس، أثداء متضخمة، أرداف عريضة وما الى هنالك، حتى وصلت الى ما يتعدى الوقاحة الى السرقة الواضحة المباشرة، وتسويقها لمصلحة الطرف الاخر في الحرب الثقافية وكأن الامر بات لا يعني أحدا..

    ففي آخر الكليب، وبعد أن تقيئت كل سفالتها، من فرك نهدها، وهز مؤخرتها، وتثوير غرائز مراهقينا ارتدت طرحة الزفاف كعروس وأمسكت بيد حنظلة كأنه زوجها وسارت بإتجاه الغروب!

    إنه حنظلة ذاته، حنظلتنا، الولد ابن العشر سنوات "اللي مش فلسطيني، مش مصري، مش سوري، محسوبك عربي وبس.. داير ظهره احتجاجا على الوضع العربي –اللي مش راضي يتغير- وبتطلع على فلسطين، ورح يظل يتطلع لحد ما ترجع" الشاهد والشهيد، الذي كانت اولى رسوماته طليعة في الحرب الثقافية التي تستعمل العري لتحشيد الشباب ورائها، هو ذاته ابن ناجي العلي، حنظلة الذي تبناه كل أحرار الامة كإبنهم الذي يجب ان يرجع الى فلسطين، لم يحلم يوما بإرتمائه في أحضان المومسات، لم يقاتل، لم يطرد من مطارات العرب ولم يستشهد لتتحول ايقونته إكسسوارا لترويج هذه الحقارات..

    أين هم ورثة ناجي؟

    أين ابنه خالد الذي سماه خالدا تيمنا بالراحل جمال عبد الناصر الذي سقط دفاعا عن ثقافة امته؟

    أين السيدة وداد زوجة الشهيد؟

    أين القوميين العرب، أين الجبهة الشعبية التي كان ناجي احد كوادرها يوما؟

    اين كل عربي وفلسطيني للدفاع عن آخر أحد اهم رموزه؟

    ألا يحق لنا ان ننهض وندافع؟

    ثم هل سنكتفي بالصراخ والشجب؟

    أعتقد ان المسؤولية الاساس تقع على كاهل اسرة الشهيد التي عليها ملاحقة الشركة المنتجة والمتعرية شمس بنفس السلاح الذي يتخفون خلفه..

    أليس هناك في القانون شيء اسمه حقوق الملكية الفكرية، ألا يحق للورثة الدفاع عن تراث والدهم؟

    انه نداء موجه الى كل الاحرار، أن يوصلوا هذا النداء الى عائلة الشهيد وورثته، ومن ثم دعمهم في قضيتهم، وتوكيل المحامين لدرء اي محاولة لتلطيخ اسم الشهيد، او تشويه ابنه، ابننا حنظلة بعد ان تم زجه بكل وضاعة خلق في مثل هذه الاعمال..

    أم ستكون خطوات حنظلة بين يدي المتعريات خطوة اخرى في درب سلب كل ما نملكه، وهذه المرة بأياد تدعي العروبة والدفاع عنها بالاجساد.. العارية!

    2/28/2007

    (المسيح المخلص) في السينما الامريكية والحرب الثقافية الباردة

    (المسيح المخلص) في السينما الامريكية والحرب الثقافية الباردة

    كيفية تسويق النمط النخبوي على الأمم بواسطة الفن

    محوري الشر والخير، الشرق والغرب والحرب التي لابد منها

     

    محمد لافي "الجبريني"

     

    الله إختار أمريكا لتخلص العالم وتنشر النور فيه وتطرد الظلام، هذا ما صرح به زعماء النظام العالمي الجديد، منذ بدأ الهجرة الى الولايات المتحدة الامريكية التي وصفها زعماء مستوطنيها "بأرض الميعاد" في سياق لا يناقض وصف الصهيونية لأرض كنعان التاريخية "بأرض الميعاد" بقدر ما يكمل كل منهما الاخر، تتجلى كل منهما في كل عصر منذ بدأ نشوء القوة العظمى الغربية وقيادة قوى النخبة لها وتسويقها بما يلبي المصالح المكشوفة للقوى الخفية.

    وكما كنا قد ذكرنا في العديد من المقالات السابقة فإن نهج الحرب الثقافية هو من أهم الاسلحة الاستراتيجية طويلة الامد التي تستخدمها قوى النخبة على شعوبها وباقي شعوب العالم، تهدف منها الى تنميط فكر العامة، وتشتيت النخب القومية وتحييد القيم والمبادئ لدى تلك الشعوب عبر تغليب المصلحة الفردية التي سيكون ملجأها ومصلحتها بالانحياز الى نمط الحياة التي أسست لها تلك القوى، بعد أن تكون أحكمت سيطرتها الجمعية على ثقافات العالم وحولت الثقافات القومية السامية الى جيوب معزولة تجهد في الابقاء على نفسها من منطلقات دفاعية بعد أن طغت عليها قدرات تلك القوى الشرسة، فحاصرتها بعد أن روجت أكاذيبها على عموم الامم البسيطة التي خدعتها تلك الالة "البروبوغاندية" الضخمة وحولتها الى كتل طينية سلسة الانسياق أمامها.

     

    المختار.. المخلص

    أحد التجسيدات الثقافية الاجتماعية لتلك الحرب، جاءت عبر مخاطبة العقلين الواعي واللاوعي في عقل المتلقي، الذي استنفد قدراته على المقاومة العلمية امام قدرات الابهار الخيالي، البصري والسمعي لتلك الالة، متمثلة بالكتاب أولا الذي يستهدف الطليعة العمومية الاكثر عمقا في البحث، ومن ثم بالسينما الخيالية التي تستهدف العامة من الناس المبهورة بالشكل الاجمالي للصورة الذي هو ما نقصده بتحطيم قدراتها الدفاعية الثقافية، بعد أن طغى مبدأ التسلية على فكرة البحث في العمق، وهو المقصود لتمرير الرسائل الى العقلين الواعي والباطن.

    منذ بضع سنوات بتنا نشاهد شكلا أكثر وضوح في السينما الامريكية بقصد تمرير الافكار وفق النمط المشار اليه سالفا، وهو تنبيه المشاهد (الغربي والآخر) الى ضرورة الاستعداد الى استقبال المخلص، وهو الرمز الحاضر دوما في ادبيات الاديان السماوية الثلاث، كما هو موجود في أدبيات الجمعيات السرية اللادينية ولى رأسها الماسونية التي تؤكد ولادة الزعيم الاوحد او "المختار" لفرض السلام ومؤاخة البشرية بعيدا عن الانتماءات الدينية او العرقية او القومية، وفق شرحهم لنظرياتهم السرية وترويجها بين العوام.

    إن هذه الاعمال الادبية التي تمددت من أصلها الادبي او الروائي تجتمع بقاسم مشترك واحد، وهو قوى الشر، الظلام، والشرق من جهة، وقوى التنوير والخير والغرب من جهة أخرى التي ستكون تحت قيادة (المخلص) (المختار) الذي تم إختياره من قوى عليا (إلهية) لفرض السلام والنور على العالم وفق النظام العالمي الجديد، وهو الشعار الذي بنيت على اساسه الولايات المتحدة الامريكية، ويمكنك ملاحظته بسهولة على ورقة الدولار تحت شعار الماسونية مكتوبا باللغة اللاتينية التي تترجم حرفيا نمط الحياة الجديد.

     

    هولويود وحروب الظلام

    هذا الامر يمكنك استكشافه في أفلام على شاكلة "ماتريكس" الذي كان فيه "نيو" هو المختار الذي سينقذ البشرية من طغيان قوى الظلام التي اختير لها رمزيا شكل الآلات، وكذلك الامر مع "هاري بوتر" الذي اختير فيه الطفل الانجليزي ليواجه السحرة الاشرار، وأخيرا ليس آخرا "ملك الخواتم" ولكها تجتمع على ان يعتقد كل غربي بأن شخصيته مهما كانت بسيطة او عادية او حتى هامشية فإنها قد تكون حجر الاساس في اي مواجهة بين الشرق والغرب، وأن اختياره من قبل قوى عليا سيكون بناء على ايجابيات قد لا يعتقد بوجودها، فالمخلص المختار في النهاية ليس بطلا خارقا للعادة الا بعد أن يتم اختياره ومنحه القوى اللازمة لمواجهة الاشرار.

    هكذا يكون التناغم بين كلا الجناحين، الترويجي الاعلامي، والخطاب السياسي الايديولوجي..

    بوش مثلا قسم العالم الى محورين.. الخير والشر، وتناغمت معه السينما والادب التي تحاك في اروقة مراكز الابحاث الاستخباراتية وأنتجت هذه الافلام الطاغية التي كان فيها العالم محورين، خير وشر، لا منطقة وسطى فيهما ولا يقبل بوجدها اصلا، فإما ان تكون معي او ضدي.

     

    تناغم السياسة والفن

    بوش اختار بن لادن وصدام وإيران وكوريا الشمالية، وكلها قوى تقبع في الجزء الشرقي من العالم، تحمل الملامح البيولوجية القريبة من بعضها، والرغبة في مواجهة الغطرسة الامريكية، وهكذا تم تمريرها في تلك الاعمال.. هاري بوتر واجه سحرة بأشكال شرقية، ماتريكس حارب تمرد اجهزة اليكترونية صنعها الغرب بنفسه، وملك الخواتم يصل الى الذروة مع البطل الغربي الذي يجب ان يصل الى قلب قلعة الشر القابعة في الشرق ولم يتوانى المخرج عن تلميحات أكثر صراحة عبر أشكال الاشرار التي ارتدت ملابسا عربية في اكثر من مناسبة خاصة العمائم السوداء!

    وإذا كان بوش قد اختار مصطلح الحرب الصليبية، فإن تلك الاعمال اختارت مصطلحات تتناسب والبرنامج المطلوب فرضه على عقلية المتلقي، وهي ذات المفردات التي تم اختيارها قبل أكثر من ألف عام والصقت باصرار بفرسان الهيكل، اي الحرب التنويرية، والفرسان التنويريون، في مواجهة الشرق المظلم.

    وعلى اية حال فليست كل تلك الاعمال تضع كامل جهودها في خدمة القضية الايديولوجية البحت للإدارة الامريكية، بقدر ماتتقاطع مع مصالحها وفق اختلافات داخلية في تلك المؤسسة في وجهات النظر، اذ أن الواضح هو محاولة ابتزاز كل طرف للآخر، مع ملاحظة ان مراكز القوى الغربية تتنافس فيما بينها، فهناك الكنائس الانجيلية، والماسونية، فرغم إمانها المشترك بسيادة الغرب الا انها تبحث دائما عما يؤيد وجهة نظرها الذاتية ويدحض الاخرى، وهكذا فإن الامر يستمر صراعا يستهدف الشعوب الغربية بخطاب موجه لأفرادها وطلائعها وهو الخطاب الاساسي في تلك الاعمال، الى جانب الخطاب الموجه الى الباقي الشعوب التي ستصاب بالذهول اللاواعي من قدرات الغرب، ولعل بعضها قد يؤمن بتلك الثقافة فيروج لها في امته، ليكون حصان طروادة المتواجد دائما في تلك الاعمال، وهو الذي يبحث عن الخلاص لأمته والذي لا يمكنه ان يأتي الا وفق النمط العالمي الجديد..

     

    2/24/2007

    People i know

    People i know

    ابداع آل باتشينو يقابل بالتجاهل

    رؤية لتوحش المجتمع الامريكي من الداخل

    لا أبطال خارقين، بل مجتمع مريض

     

    محمد لافي "الجبريني"

    لم أعتقد أني سأكون سعيدا بحالة الارق التي تراودني بإستمرار الى درجة اعتبارها نعمة في ذلك المساء القلق الذي ذبحت فيه رئتي بتدخين علبتي سجائر قبالة النافذة على الشارع المعتم،حتى وجدتني أضغط بملل على الريموت كونترول أتجول بلا اهتمام على المحطات الفائية التي بدأت تبث في تلك الساعات الميتة قبيل الفجر برامجها الارشيفية والمسجلة وتلك التي لا تتلائم مع فكرهم بإستهداف الجمهور.

    توقفت حركة البحث عند إحدى المحطات حين استوعبت خلايا دماغي الضجرة صورة الممثل الايطالي الاصل آل باتشينو، عدت على اثرها عدت محطات الى الخلف حتى وجدت مقدمة فيلم بموسيقى كلاسيكية حالمة ألهمتني الابقاء على المحطة، وأنا مقتنع اني سأغيرها بعد قليل وأنا في هذا المزاج الذي لا يسمح لي بمتابعة اي أمر او اسراف آواخر الليل في متابعة أحد الافلام الساذجة التي ربما لم يسعف الحظ آل باتشينو في تمثيلها.

    ***

    مرت دقائق الفيلم الاولى وانا أأجل اطفاء الجهاز حى انتهى الفيلم الذي شكل فعلا تحفة فنية أبدع فيها آل باتشينو وتمكن من فرض سيطرته على كامل مساحة الفيلم الذي سيطر فيه على البطولة المطلقة، ليس على طريقة نجوم الاكشن بل على طريقة الفنان المبدع الذي حاور دواخل الشخصية التي يؤديه الى درجة اقناعك بأن من تشاهده حاليا هو آل باتشينو نفسه وليس "إيلي ورمان" متعهد العلاقات العامة الذي ادى دوره، وفلسف قيمه، وطرح صراعاته الروحية بأجمل ما يكون.

     

    24 ساعة من حياة أمريكي

    تجري أحداث الفيلم على مدى أربع ساعة من حياة وكيل العلاقات العامة "إيلي ورمن" الذي ترك تخصصه الاكاديمي بعد أن تفوق فيه وحصل اجازة في المحاماة مقابل البحث عن المال والشهرة عبر استغلال قدراته في الاقناع للعمل وكيلا للعلاقات العامة في نيويورك لنجوم السينما والسياسيين وعمالقة الشركات، إنطلق فيها برفقة مخرج الفيلم "دان ألغرنت" في تعقب الانحطاط والفساد الذي تعيشه المجتمعات الرأسمالية والطبقات العليا فيها التي لا تتوانى عن استغلال أي فرصة لتحطيم الغير والصعود على جثته، فيما حياة البشر العاديين، او قليلي النفوذ من الطموحين غير ذات قيمة، ان تم اعطاءها الفرصة فلمصلحة عليا تهم النفوذ، وفي أول فرصة تسبب فيه تلك الشخوص عبئا على أسيادها يتم التخلص منها دون أن ترك اي أُر في الحياة. تلك الحياة التي فيها القيم والمبادئ والاخلاق سوى ألفاظ إستهلاكية، ووسائل دعائية، وقدرات على أقناع الجمهور لتلبية مصالح النخبة، في تضخمها وتصاعدها المستمر فوق جثث ومصالح الملايين من مواطنيهم الذي تاجروا بمصالحهم عبر خداعهم بأن سعيهم أخلاقي في محاربة الفساد او التسلط او العنصرية.

    و "ايلي" بالضرورة لم يكن خارج تلك الدائرة، فهو وان لم يكن صاحب نفوذ وسلطة، فقد حاول مرارا دخول نادي النخبة ومرارس نفس اساليبهم معتقدا انه سيصل يوما الى دائرتهم بعلاقاته الواسعة والمميزة وقدراته العقلية ليكتشف في النهاية انه ليس الا مطية لهم وخادما يؤدي لهم الخدمات مقابل فتات يبقيه على الحلم ويخدر صحوته، الى ان اكتشف نفسه خارج الدائرة لكن بعد فوات الاوان.

     

    النخبة الوحش المريع

    ينجرف ويلي الذي أرهقته طلبات المتعاقدين معه الى حياة صاخبة مرهقة أدمن فيها تعاطي الادوية المهدئة والمخدرات والكحول، أصيب جرائها بأمراض مختلفة في جسده تمثلت بإلتهابات أعضائه التناسلية ومعدته تركت أثرا سلبيا على قدراته الجنسية التي فتحت امامه ثقبا في جدار التساؤل الى اين يجر نفسه في هذا التيار الذي لا تبدو له من نهاية سعيدة وقد أهدر عقودا من عمره في تملق رجال السياسة الاوغاد والممثلين التافهين، دون ان يصل في تساؤلاته الى اجابات محددة وهو يقنع نفسه أنه سينجح يوما في اختراق الستار والوصول الى النخبة، رافضا رؤية الاحتمال الاكثر قربا من الواقع وهو ان هؤلاء المتصارعين على السلطة والنفوذ سيتفقون جميعا على ان لا يسمحوا له بدخول دائرتهم المغلقة.

     

    حلم امريكا ليس لجميع الامريكيين

    يغرق "ايلي" أكثر وأكثر في اوهامه، وبتصاعد وتيرة القصة عبر حبكة درامية متقنة يشرحا المرج بساعات ودقائق اليوم، يقرر ايلي استغلال حادثة قيام السلطات في نيويورك بالقبط على ثلاثة شباب نيجيريين وتحويلهم الى سلطات الهجرة لترحيلهم الى بلادهم، للدعاية الى حفل خيري يقيمه تحت عنوان مقاومة السلوك العنصري في أمريكا والدفاع عن الاقليات العرقية، ليستغل فيه تقاطع مصالح مرشحين الى مجلس الشيوخ، وقادة منظمات للسود، ورجال دين يهود، وأصحاب مصالح اقتصادية في تبني مثل هذه القضايا، ليخرج منه بتبرعات طائلة يجني منها مكسبا يقوي من حظوظه المهنية للإرتقاء في المجتمع النيويوركي الشعبي والنخبوي على حد سواء.

     

    مخدرات، جنس ونفوذ

    في ذات الوقت يكون عليه تنفيذ مهمة لموكله " كاري لونر" النجم السينمائي السابق والمنتج الهوليوودي والمرشح للقب سيناتور في مجلس الشيوخ الامريكي، تقضي بإخراج ممثلة شابة على سلم الشهرة من السجن بعد القاء القبض عليها بتهمة تعاطي المخدرات قبل أن تسبب له فضيحة بسبب ما تحمله من معلومات ستسبب ضررا له في حال تسربها. بعد ان يخرجا "ايلي" من السجن يتوجه رغما عنها معها الى احد الاوكار التي كانت تتعاطى فيها المخدرات ليغادروا المكان طردا من المكان‘ وفي الفندق الذي ستجلس فيه ريثما يأتي موعد طائرتها الخاصة لإبعادها عن المدينة يدور حوار فلسفي بين الاثنان تحت تأثير الافيون بعد فشل "ايلي" من القيام بإتصال جنسي معها تصفه بعدها بالخصي الذي ادمن خدمة الاوغاد الذين يصعدون على ظهره، وانها رغم كونها ساقطة وممثلة تستغل جسدها للصعود الى سلم المجد فإنها تملك ما يجعل "كاري لونر" يركع تحت قدميها، ينهض "ايلي" وقد انعكس هذا الوضع آلاما في مثانته الى الحمام ليتصل بصديقه الطبيب ليشكو له ما هو فيه، ثم يستلقي في حوض الاستحمام ويراقب بعينين مخدرتين نصف مغمضتين شخصا يقتحم الغرفة ويقتل النجمة الشابة بإبرة تحمل جرعات زائدة من المخدرات.

    يستيقظ "ايلي" في الصباح وهو يجهد نفسه في حشد رموز المجتمع الى حفله الخيري، فيواجه صعوبات ورفض وتهرب من قبل معظم الشخصيات، فزعيم السود في نيويورك يرفض خوفا من ان يقاسمه أحد زعامة قيادة السود، مدعيا ان هذا سيكون وسيلة يستغلها البيض لمصلحتهم السياسية وأن السود لهم طاقتهم الخاصة في انتزاع حقوقهم، اليهود كذلك يتذرعون بأن هذا سيزعج عمدة نيويورك الذي لبى لهم الكثير من مصالحهم وان المشاركة في هذا الحفل يجب أن تقترن بوعود خاصة من يجلبها لهم ايلي من شخصيات محددة. وهكذا فإن كل شخصية تبتز ايلي للمشاركة في حفله، حتى يصل الامر الى "كاري لونر" فيتذكر ايلي ان بحوزته التسجيل الذي كانت تحتفظ فيه الممثلة الشابة قبل موتها، وبعد اجتماع في مكتبه يتعرض "ايلي" لضغوط من بعض السياسيين الذين كانوا اعداء لكاري يتفقون على ضرورة اعطائهم التسجيل يكون بينهم من يفاجئه وهو صديقه الطبيب الذي ينصحه بتسليم التسجيل حتى لا يعرض نفسه للخسارة، ايلي بدوره يقرر استغلال ما بحوزته ليهددهم به مالم يحضروا الى حفله الخيري.

     

    صحوة على حافة الموت

    يقيم إيلاي حفلته الخيريّة بالرغم من كلّ شيء و يقابل حبيبته فيكتوريا (بايسنغر) أرملة شقيقه فيعدها بالهرب من نيويورك و اصطحابها معه. بعد أن مل هذه الحياة، بعد ان اكتشف أنه رغم حضور كل نادي النخبة الى حفلته الا انه خرج منه الخاسر الوحيد بعد استطاعوا تحويله الى مكسبهم الخاص وابعاد ايلي عن الامر.

    ينتهي الفيلم نهاية درامية فاجعة لإيلي الذي بنتظار موعده مع عشيقته للهرب يجلس يحتسي الخمر، وبحركة مفعمة بالايحاء تتحرك الكاميرا من بين قدمي ايلي حتى خاصرته التي امتلأت بطعنات سببها قلم حبر، ثم تصعد الى عينيه الميتتين وتنقلب ببطئ على خلفية النافذة المشرفة على فضاء نيويورك لتركز بصورة مقلوبة على المكان الذي خلفه ورائه برجي التجارة المنهارين، بعد علمنا انه تم حذف المشهد الذي يتخيل فيه ايلي انهيار البرجين وهو يقتل على يد مجهول.

    الفيلم دراما مهمة تسرد بتركيز شديد جانب من جوانب الحياة الامريكية وبصورة شديدة المرارة والاسقاط، لكنه للأسف لم يحظ بالكثير من الشهرة، رغم تلبيته لمعظم الشروط من قدرات ابداعية مذهلة للمخرج والبطل الاساسي وللحبكة القصصية. والامر ليس غريبا اذا تذكرنا ماهي الاعمال التي تحظ بالشهرة والتأييد في ذلك المجتمع المتوحش.

    2/21/2007

    كيف نجح فيصل القاسم في السيطرة على عقول 50 مليون مشاهد؟!

    الاتجاه المعاكس

    حرب ثقافية تشن على العقل الباطن

    كيف نجح فيصل القاسم في السيطرة على عقول 50 مليون مشاهد؟!

     

     

     

    محمد لافي "الجبريني"

    تعتبر القدرة على القيادة وفرض التأثير الفكري على العقول، بشقيها الباطني والعاقل، أكثر الجوانب الحاحا من بين اهداف القوى الساعية الى السيطرة، وفرض الحالة التي تلبي مصالحها وتقوض اي مسعى لبروز المنافسين والمتناقضين مع برامجها السياسية.

    هذا كله واكثر، يقبع في خزائن سرية تحويها الصدور او مقرات وكالات البحث الاجتماعي ضمن مراكز صنع القرار النخبوية في الامم المتقدمة، التي لا تدرس تفاصيل الحياة وأدق مسارات الحياة لشعوبها وشعوب باقي الامم لسبب ايجاد سبل افضل للارتقاء بها كما يبدو، بل لفحص المزاج الشعبي والظروف التي تؤثر فيه لقياس مدى الاستفادة منه ومنها بالضرورة لتوجيه بوصلته بما يتناغم ومصالحها الاقتصادية ، الثقافية وطبعا السياسية.

    لهذا السبب تحديدا شكل بحث أجرته مجلة "شالانج" الفرنسية الاسبوع الماضي هلع الساسة الغربيين اعلاميا حين أقرت المجلة أن الدكتور فيصل القاسم مقدّم برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي يبث على قناة الجزيرة ضمن الشخصيات الـ20 الأوائل الأكثر تأثيراً على المستوى العالمي، وقالت المجلة: إن هذا الإعلامي السوري يستقطب مساء كل ثلاثاء أكثر من 50 مليون مشاهد، وهو يثير الخوف والهلع لدى الحكومات نظراً لشعبيته وتأثيره الهائل.

    أن هذا التقرير الذي وضع فيصل القاسم ضمن لائحة تقدم فيها على شخصيات على غرار الملياردير والاقتصادي الأميركي جورج سوروس وإمبراطور الإعلام الأسترالي روبرت ميردوخ والصحفي الأميركي توماس فريدمان، و رئيس شركة "جنرال موتورز" للسيارات كيرك كيركوريان والممثل الأميركي جورج كلوني، قبل ان يثير اعجابنا بأن يصل عربي لأول مرة الى قدرته على التأثير على ملايين الناس دون عصا وصولجان فإنه قبل ذلك يستدعي التدقيق والروية بحثا عن ما وراء هذه القدرة.

    فهل من الممكن حقيقة التصديق بمقولة ان هدف وسائل الاعلام هو تقديم المعلومة للناس ومنحهم مساحة حرية دون أي اهداف أخرى عدى الكسب المادي والشهرة وغيرها من التبريرات السطحية؟

    وهل يكون لوجود هذه الوسيلة المؤثرة الى هذا الحد على حشد الملايين انحيازا لفكرة او حصرها بين فكرتين لا ثالث لهما سببا هو فقط الاثارة والتمييز؟

    أظن أن الامر ليس بتلك السهولة واليسر، انه بكل بساطة خاضع لمنطق الحرب الثقافية الباردة التي تزداد سخونة بإطراد، ولا مناص من افلات نظرية الشك من عقالها تجاه قناة الجزيرة التي تتعامل بذكاء شديد مع قدراتها الهائلة، دون أن تسمح للمجهرين في البحث عن دلائل التآمر الثقافي بالامساك بخيوط واضحة للعيان تمكنهم من بناء شكوكهم على أدلة مكشوفة لا تحتاج الى مزيد من التعقيد في الشرح، كما هو الحال من السهولة بمكان في قناة العربية مثلا.

    قدرات فيصل القاسم لا شك في علو كعبها مقارنة مع إعلاميين غيره، وادارته المذهلة لبرنامجه الشهير "الاتجاه المعاكس" كانت ولا تزال من ابرز مواهبة التي تشد الجمهور الذي لا يبحث عموما عن المعلومة بقدر بحثه عن الاثارة والاكشن بين غريمين يتصارعان على حلبة القاسم في بث حي ومباشر، ومع بدء التعريف بهما يختار المشاهد المتمطي أمام الشاشة لاعبه المفضل الذي قديكون اعجبه مسبقا او بعد الكلمات التي تعمد القاسم وصفه بها، فينحاز أغلب الخمسين مليون متابع الى ذاك الشخص الذي يعبر عن قوميتهم وانحيازاتهم في الممانعة لسياسات الحكومات والهجمات الامبريالية.

    المشاهد يجد نفسه رغما عنه أسير فكرتين لا ثالث لهما، او منحازا لواحدة منهما بعجرها وبجرها، فإذا قال الممانع ما قد لا يعبر عنه في بعض مفاصل الحوار، فإنه سيظل مضطرا لتأييده وتقبل التسريبات اللغوية، بعد أن يتملك عليه الخطابي حواسه ويجره الى أبعد مما كان يحلم.

    وسياسة القاسم لا تبحث عن فتح باب للآراء المختلفة بقدر ما تسعى الى التجييش المتعمد نحو منطق التفتيت، اي أنك اذا انحزت الى أنيس النقاش مثلا في دفاعه عن المقاومة اللبنانية ضد آخر مؤيد لفلتمان، فعليك في البرنامج الذي يليه ان تختار بين الخيار الفارسي الذي سيمثله أحد الصفويين مقابل واحد آخر يعارضه وينحاز دون اعلان واضح نحو المنطق الذي يتقاطع والمصالح الرسمية.. لتترك الحلقات المتتالية ضائعا بين الخطابات والايديولوجيات دون هدف واضح ودون منطق يحشد الجماهير الى نحو التشتيت.

    هذا هو حال المشاهد العادي، وكذلك المثقف او المسيس فهو ليس بأحسن حالا، انه ضائع هو الأخر في الحلقة المفرغة والمربع الاول الذي سيعود اليه في كل حلقة لشرح أفكاره وسياساته، مرارا وتكرارا حتى تتحول الى لغو لا جديد فيه، ولا منهج يساعده على التقدم بوعي المشاهدين، فيما الطرف الاخر يهتبل الفرصة السعيدة لحشو أدمغة المشاهدين بالمنطق الاستسلامي المنحاز لأي شيء الا فكرة الامة القومية، لتتكاثر التساؤلات في عقلية المشاهد ولا اجابة عليها في النهاية الا بما تسرب الى عقله الباطن، بعد أن ألغى فكرة البحث عن الحقيقة في عقله الواعي، لأن العربي ببساطة انسان كسول عموما يستسهل الامور ويكره التفكير لأكثر من ثوان بحثا عن الحقيقة وفق مقدمة ابن خلدون، وبذلك تحكم السيطرة عليه بدون وعي، يخدر او يشتت وكل ذلك بعد ساعة من الاثارة والحركة في برنامج اعتقد انه يشارك في بالتعاطف مع أفضل الاسواء او مع أفضل خرج خاسرا في كل الاحوال.